من نحن   |   اتصل بنا   |  
مقالات اليوم
حجم الخط :
عدد القراءات:
573456
07-10-2020 03:42 PM

وصيّة أب




بقلم: بشير أبو العباس

ولدي حبيبي .. الوطن لا يعني بضعة أمتار تنشئ عليها منزلا فتقيم فيه لأن باستطاعتك إذا كان لديك المال أن تشتري عقارا أو قطعة أرض في دول عدة.

لا تصدّق من يقول لك أن المال في الغربة وطن وأن المنزل هو الوطن الصغير لأن الوطنية هي أن تشعر بانتمائك لتأريخ وإرث وحضارة وطفولة وأصدقاء وأهل وأرض عاش عليها أجدادك ودافعوا عن وجودهم فيها، أن تدافع عن الوطن لشعورك بأنك أبن البلد وليس أبن أحد.

الوطنية هي أن تشعر بالمواطنة وتؤمن بحق العيش لكل من حولك وأن لا تفكر بعِرقِهم وقومياتهم ومذاهبهم، عليك أن تفكر بأنهم شركائك بالوطن وعندما يعتدي الغريب على الوطن أن تتكاتف معهم لتحمي الأرض.

الكثير من الناس باتوا يشعرون بعدم الانتماء للوطن ويسيؤون له ويشتمونه علناً بألفاظ بذيئة لم نسمعها من قبل ويحاسبون الوطن وكأنه هو الذي أساء لهم وليس من حكموه، هل تعرف يا ولدي أن والدك مر عليه الكثير ممن يظهرون الولاء للحكام وليس للوطن وينظرون للوطن على أنه الحاكم رأس هرم السلطة وليس الأرض والعرض والتأريخ ... الخ وهؤلاء خسروا الكثير بعد زوال الحكام وأول شيء خسروه هو أنفسهم واحترامهم لذاتهم.

عليك أن تعلم يا ولدي أنك عندما تذهب إلى بعض الدول لاجئا فأن تلك الدول ستهتم بك وتمنحك الأمان ولكنك ستظل غريبا لديهم لأنه ليس مجتمعك وليسوا أهلك، بالفعل ستسمع أن الغربيين يعتنون بالبشر ويمنحوا الاشخاص حق العيش ولكن أيُ عيش، لي أصدقاء حملوا شهاداتهم العليا وسافروا بها ولكنهم صدموا هناك لأن لا أحد يعترف بك ما لم تجيد لغتهم وكثير هي الدول التي لا تتكلم الإنجليزية، اللغة التي تعلمتها، فيضطرون إلى العمل بالمجالات الخدمية ليركنوا دراسة دامت اكثر من 22 عاما وتموت أحلامهم.

قد تكون تربيت على شموخ وإباء وكبرياء ولا ترتضي لنفسك أن تعمل في الغرب بأعمال خدمية، ولكنني اتساءل يا ولدي .. لماذا اولادنا داخل البلد لا يتقبلوا الاعمال الخدمية التي توكل لهم مثل التنظيف والطبخ وتسليك المجاري، وفي الخارج يتقبلونها برحابة صدر؟ ولا تقل لي أن الغربة هي التي تجبرهم على ذلك لأنه مهما حصل فأنك غير مجبور على مغادرة وطنك لتتجنب الإجبار على الاعمال الخدمية على الرغم من أنني أرى أن لا مشكلة أن تمارس تلك الأعمال ولكن مارسها في بلدك العراق.

وآخر وصية لك يا حبيبي هي أن يكون شعارك في الحياة (في حارة الورد لن اشتري غير عطرك .. يا ورد بلدي) فهل تعرف يا ولدي أنه كلما اوغل الليل بروحي تذكرت ابتسامتك التي تشبه اغاني فيروز .. فابتسم، فأرجوك أن لا تخالف ماذكرت وأجعلني مستريحا في قبري وعليك أن تدرك ملياً أن التيار المتأسلم زورا وبرعاية أمريكية وإقليمية قد أفرغ أسوأ افرازاته في رحم العملية السياسية بالعراق بعد أحداث 2003، فولدت لدينا حكومات بغيّة لا تستحي من ممارسة العهر السياسي علنا وممارسة كل الموبقات من أكل السحت الحرام والسرقة الى القتل والدمار، ولكن يجب أن تعلم أن والدك مرّ عليه الكثير من الحكومات ولم ينحني وظل شامخاً لأنه على يقين بأن الحكومات في زوال والوطن في خلود.. أحبك يا ولدي وداعا.




اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: