من نحن   |   اتصل بنا   |  
مقالات اليوم
حجم الخط :
عدد القراءات:
2902611
14-05-2020 01:42 PM

أتمنى أن يطبق السيد الكاظمي نصيحة روسو




عراق الأمير

كانت بولندا في القرن الثامن عشر بلدا كبيرا يضم حوالي خمسة عشر مليون نسمة عندما كان سكان العالم آنذاك أقل من مليار نسمة، وكانت فيها أعراق متعددة ومعتقدات دينية متنوعة، علاوة على ذلك كان الملك ضعيفا تحيط به طبقة نبلاء فاسدة لا يهمها سوى مصالحها الخاصة وما تستطيع نَهْبَهُ من أموال الشعب إضافة الى جيران أقوياء يتدخلون في شؤون البلد.

كل هذه العوامل أدت بالدولة الى وضع خطير مما دفع بأحد المواطنين الغيورين الى التماس النصيحة من المفكر والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، صاحب نظرية " العقد الاجتماعي " فكان رده: (إن الدولة البولندية تعاني نقصا في المزايا الوطنية وبالتالي إذا أرادت بولندا أن تخرج من هذا المأزق الخطير الذي وضعت نفسها فيه فلا بدّ من إحياء الشعور بالتلاحم الوطني، وهذا يمكن من خلال إحياء المؤسسات الوطنية التي تشكل خصائص وثقافات وعادات الشعوب والتي يمكنها أن تلهم الناس الحب الدافئ لبلدهم).

وهذا يعني كلما كانت الدولة مؤسسة بشكل أفضل تقدمت المصلحة العامة على المصلحة الخاصة في عقول المواطنين، لأنهم حينذاك يدركون أن مصالحهم الخاصة لا تتحقق إلا ضمن إطار المصلحة الوطنية العامة وبالتالي يزيد تعميق الروابط بين المواطنين ويتحقق الاستقرار والازدهار في الداخل ويتحصن البلد ضد التدخل الخارجي.

نصيحة " روسو " هذه كانت في منتصف القرن الثامن عشر ـ قبل قرنين ونصف ـ أي حين كانت المواطنة في طريقها لتصبح مرادفة للوطنية التي تعني الولاء والالتزام للدولة بمختلف مكوناتها الدينية والمذهبية والإثنية والثقافية والفكرية. فالدولة المدنية الحديثة (دولة الكل الاجتماعي) التي تمارس الحيادية تجاه أعراق وأديان ومذاهب وأديولوجيات مواطنيها هي التي تأسس للمواطنة الحقيقية التي تحترم التنوع وتسعى للاستفادة منه في سبيل تقوية الوحدة الوطنية .. وعليه فالمزايا الوطنية التي يحتاجها العراق أكثر من أي وقت مضى لا تتحقق في دولة المحاصصات الطائفية وإنما تتحقق فقط في ظل الدولة المدنية، دولة الحق والعدل والقانون التي تعمل على حماية كل أعضاء المجتمع بدون تمييز قومي أو ديني أو فكري، لذا فالمواطنة التي هي أس الوطنية لا توجد إلا في الدولة المدنية التي تصون كرامة مواطنيها وتعمل على قاعدة المساواة بينهم في الحقوق والواجبات. لذلك خلاص العراق يبدأ في تحرر الأجيال من حراس المذاهب والأديان بإسم السماء، لأننا إذا خسرنا الدولة المدنية فسوف نخسر كل شيء، ولكن إذا خسرنا الأحزاب الدينية فسوف نكسب الدولة ونربح الدين.

حقاً وصدقاً أتمنى أن يطبق السيد الكاظمي هذه النصيحة الخالدة في ذاكرة التاريخ ويخرج العراق من ضيق الطائفية الى فضاء المواطنة الواسع الرحِب.




اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: