من نحن   |   اتصل بنا   |  
حجم الخط :
عدد القراءات:
64053
12-12-2019 10:25 AM

بعد ألف ومئة سنة أحفاد العيارين يحكمون بغداد




عراق الأمير

العقل المُسَهَد بمأساة العراق التي حولته الطبقة السياسية المجرمة الى جزيرة من الفواجع والمواجع ، هذا العقل الذي يبحث مذهولاً عن سبب أو تفسير لما يجري في ساحات وطرقات الدم من قتل يومي ممنهج للعشرات من خيرة شباب ورجال العراق لا بد له في النهاية أن يرتكن للتاريخ . ولعل " عبارة التاريخ يعيد نَفسَهُ " لم تأتي من فراغ ، فمن يقرأ التاريخ يفهم حقيقة تلك العبارة ويعاين وضوحها ، عندما يكتشف أن الأحداث التاريخية ما هي إلا دوائر كبيرة تدور فيها الشعوب لتكرر المرور على نفس الظروف أو ظروف مشابهة كل حقبة زمنية . ورغم ذلك فإننا في أغلب الأحوال نُضَيِع على أنفسنا فرصة استفادة عظيمة بسبب تجاهل الدروس المستفادة من تكرار الدروس التاريخية . أي إننا نفشل بشكل كبير في تلقي رسالته وتكون خسائرنا البشرية فادحة .

في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث للهجرة من التاريخ الذي شَهِدَ فترة ضعف الدولة العباسية ظهرت فئة من أهل النهب والقتل واللصوصية والدعارة أطلق عليها إسم العيارون ( العيار في اللغة الشخص الكثير المجيء والذهاب والتطواف ) وكانوا لا يعدون أعمالهم تلك جريمة وإنما يعدونها صناعة وشرف ويُحِلونَهُ حسب أهوائهم الدنيئة . مع مرور الأيام إزداد عددهم وبسبب ضعف الحكومات فَرَضَ العيارون نفسهم على المجتمع العراقي واستمروا في فرض وجودهم خصوصاً في فترات الإضطراب السياسي والقلق الإجتماعي واشتداد الصراع على الحكم بحيث هيئوا لأنفسهم تنظيم شبه عسكري ( ميليشيات ) وزعوا على أساسه لكل عشرة منهم عريف ولكل عشرة عرفاء نقيب ولكل عشرة نقباء قائد ولكل عشرة قواد أمير . وهكذا بَسَطوا نفوذهم وسيطرتهم على بغداد سنين طويلة في الفترة البويهية والسلجوقية ، وأخذ الناس يخافون من إغاثة من يَطلُب المعونة من فِعْلْ العيارين ، فاستفحل أمرهم والتحق بهم الكثير من الدُعٰار حتى وصل عددهم نحو خمسين ألف عَيار حسبما أوردته مصادر كتب التاريخ ، لذلك إستعان بهم الحكام الضعاف من أجل تقوية نفوذ سلطانهم و إرهاب خصومهم مقابل إطلاق يدهم في التسلط على رقاب الناس وحياتهم وأمنهم وأموالهم وأعراضهم .

لكل ما تقدم ألا تتفقون معي عن وجود تطابق كامل بين فئة العيارين قديماً وبين الطبقة السياسية الحاكمة حالياً في السلوك والممارسة والأفعال الشائنة ، ألم يُكَرِر التاريخ نفسه ، ألا يحق لنا القول ان الذين يحكمون بغداد اليوم هم أحفاد نجباء لؤلائك العيارين ، ألا ينبغي لنا التصريح إذا كان معظم العيارين في التاريخ من أصول بويهية وسلجوقية ، فإن الذين يحكموننا الآن هم أيضاً بالتأكيد ليسوا من أصلاب العراقيين ، فقتل المتظاهرين السلميين واغتيال وخطف وتعذيب الناشطين المدنيين من قبل ذيول ايران يَقْطَع الشَك باليقين .




اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: