من نحن   |   اتصل بنا   |  
مقالات اليوم
حجم الخط :
عدد القراءات:
27389
16-11-2019 10:34 AM

هذا هو العراق الجديد ولكن ماذا يعرف الحمار عن غناء العندليب؟




عراق الأمير

مثل حلم يطير على بساط ريح .. هكذا فاجأتنا أحداث ثورة تشرين المتسارعة ..

بالأمس كانت بغداد دمعة بائسة تسيل على الطرقات والأرصفة لتجرف معها روح التآخي والتراحم .. أغلال البؤس كانت تَجُرُها الى المجهول بعد أن اغتصبوا عَفاف نخيلها وأشعلوا النار في أحلامها وأسكتوا أغانيها ...

اليوم أزفت ساعة التشتت والضياع ، وحانت ساعة التوحد والوئام ، وتهاوى عرش الدولة الطائفية التي أمعنت في تمزيق جسد العراق وأثخَنَت جراحه  .. الملايين شطبت تاريخ أسود ملطخ بالخزي والعار والنذالة وكتبت تاريخ جديد مليء بالعز والفخر  والتسامي  .. آلاف الشهداء والجرحى قدموا أرواحهم  ودمائهم الغالية مَهراً لبغداد ؛ ومن يخطب الحَسناء لم يَغلُهُ المهر  .. اليوم تَبَدَدَت السُحُب السوداء وعادت بغداد فرحة كبرى مكانها القلب وصورتها الأمل المرسوم على جبين الثوار  ...

نحن المغتربون في دول الشتات عقولنا وقلوبنا وحياتنا معكم .. نتسمر أمام شاشات المحطات الفضائية .. تُشَدُ أرجلنا في المكان وتعطلنا عن الحركة تاركين لعيوننا أجَلَها المدفون في عمق الشاشات .. نَظَلُ نقلب المحطات ليتنامى الفرح والأمل مع كل دقيقة ولحظة ..

كاميرات تصطاد صور حشود ساحة التحرير وجبل أُحُدْ .. أصوات مدوية تعانق السماء بهتاف ( نريد وطن ) .. موكب يُطَيِف نعش شهيد وفاءً لوصية قالها قبل استشهاده .. شباب يتسابق لصد القنابل القاتلة .. أطباء ومسعفون ينطلقون كالسهام لمعالجة الجرحى والمصابين .. أبطال التكتك يقدمون الدعم اللوجستي للمتظاهرين ليلا ونهارا .. شعراء تصدح حناجرهم بلهيب القضية .. فنانون يغنون للعراق ورسامون يوثقون أيقونات الانتفاضة بأنامل مبدعة .. مثقفون يناقشون آفاق المرحلة القادمة .. مكتب للمفقودات يجسد ثقافة الأمانة .. نساء عظيمات يُجَهِزنَّ الطعام للمعتصمين ، فتيات وفتيان بعمر الورود ينظفون ساحات الشرف .. أمهات وشيوخ سَجَمَت عيونهم بدعاء الرب ليحفظ حياة الثوار  .. المرابطون بجبل أُحُد يشعلون الشموع احتفالا  بعيد ميلاد الصبي عباس المسؤول عن توريد طلباتهم من الطعام والسجائر .. فتاة مجهولة الهوية تأتي لوحدها في صباح كل يوم لترتب أفرشة المتظاهرين وتنظف ما حولها ثم تَنسَل بهدوء ملائكي مُغادرةً المكان .

يا إلهي ما الذي يحدث .. ما هذا الحب ، ما هذا التعاضد ، ما هذا الوفاء ، ما هذا التفاني ، ما هذا الجوهر والمعدن الأصيل ... يا لها من لوحة بونورامية من النُبْل الأخلاقي والسُمُّوْ الإنساني لم تَشْهَد البشرية مثله من قَبْل ولن تَشهَدَهُ من بَعْد ..

إنها بغداد عروس دجلة وتاج مدن التاريخ .. إنه العراق ، ولكن ماذا يعرف الحمير من تغريد العندليب؟ .




اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: