أميركا التي تكره أميركا التي ينبغي أن نحبها
 

بقلم: فاروق يوسف
عراقيتي لا تسمح لي وأنا في نيويورك أن أتمنى الموت لأميركا. لن أخون الحقيقة من أجل أن أصدق كذبة إيرانية.

اميركا البلد والناس هي ليست أميركا السياسة والعسكر. وإذا ما كان شعار 'الموت لأميركا' ينطوي على الكثير من التضليل القائم على الامنيات البلهاء فإنه وقف حائلا دون معرفة حقيقة البلد الذي نتمنى له الموت.

اميركا قارة. هذا لا يكفي للوصف. تلك بلاد لا تتوقف عن التعرف على نفسها في سباق جنوني نحو هدف لا يُسمى فهو لم يكتمل وقد لا يكتمل أبدا. ذلك لأنه مرتبط برغبة الإنسان التي فجرها العلم في أن يكون سيد الطبيعة.

أميركا الشريرة التي نكرهها ليست هي أميركا التي لا تحتاج إلى استعراض معجزاتها أمام عيني زائرها ففي كل لحظة هناك ما يُدهش وما يُسحر وما يُعلي من شأن عبقرية الإنسان.

نجحت أميركا في أن تسحب البساط من تحت قدمي أوروبا. وهو ما يعني أنها سحبت البساط من تحت قدمي العالم الحديث الذي هو صنيعة أوروبية. وبدلا من أن تستورد الحداثة صارت أميركا تصدرها إلى كل مكان بدءا من القارة التي وهبتها خيال الفاتحين.

أميركا المشردين والهامشيين والفقراء لا تشكل عبئا ضمن المنظور الرأسمالي على أميركا الثرية التي تملك الحصة الأكبر من اقتصاد العالم. وإذا ما كانت أميركا تمول جزءا من اقتصادها بطريقة لا تخلو من الشبهات فإن عقلية اللص لم تتمكن منها في ما تفعله داخل حدودها.

أكتب الآن من نيويورك وهي معجزة العصر الحديث الأولى.

ليس المطلوب أن تكون هناك نسخ من نيويورك في أماكن مختلفة من العالم. نيويورك واحدة تكفي لكي يشعر إنسان عصرنا بعظمة ما أنجزه.

نيويورك هي بابل عصرنا من جهة كونها امبراطورية المال والثقافة والتعليم. ما من مدينة يمكنها أن تحتل الصدارة مثل تفعل نيويورك، على الأقل على المدى الزمني المنظور.

شيء جوهري من أميركا يقع في نيويورك. وما يُقال عن أن أميركا ليست نيويورك انما يمثل الواقع ولا ينطق بالحقيقة.

لقد غلبت أميركا العالم بنيويورك. جوهرها هنا وجوهر عالمنا المعاصر أيضا. لذلك فإن التفكير في الاستغناء عن ذلك الجوهر المؤكد والحقيقي هو تجسيد للبلاهة والعته في أعظم صورهما. غلبت أميركا العالم حين لخصته وحين جعلته مرتبطا عضويا بها.

نكره أميركا. هو حقنا بسبب ما فعلته بنا. ولكن لعبة 'الموت لأميركا' ينبغي أن لا تنطلي على أحد. ذلك لأن مَن يطلقها لا يعرف أميركا حقا. هذا أولا، وثانيا هو يرغب في عزلنا عن جوهر عصرنا ليضمنا إلى محميات تخلفه وظلامه، وثالثا فإن الحضارة الأميركية بغض النظر عما يقوله مناهضوها من الداخل الأميركي لا تزال مؤهلة لأن تدوم زمنا طويلا.

لقد أخطأت أميركا في حقنا. ذلك أمر مؤكد. الاميركيون أنفسهم يعترفون بذلك. لقد جرت جريمة أميركية العراق، بلدا وشعبا إلى الهلاك النهائي. غير أن عراقيتي لا تسمح لي وأنا في نيويورك أن أتمنى الموت لأميركا.

لن أخون الحقيقة من أجل أن أصدق كذبة إيرانية.

هل كانت أميركا مضطرة لأن تقدم نفسها بطريقة سيئة إلى العالم؟

لقد التهمت الحروب الجزء الأكبر من الحلم الأميركي وهو ما صنع حاجزا عظيما دون النظر إلى تمثال الحرية باعتباره رمزا للحقيقة.

في الكثير من الوقائع خانت أميركا نفسها وخانت لعالم في الوقت نفسه.

غير أن من المأساوي فعلا أن تقاوم الخيانة بالخيانة. فأميركا التي نكرهها هي نفسها أميركا التي تكره أميركا التي ينبغي لنا أن نحبها. وهي معادلة لن يتمكن المرء من فك رموزها إلا إذا زار نيويورك واقام فيها.

هذه بلاد ضرورية من أجل أن يكون العصر الحديث شاخصا بقوة قدرته على التغيير. لا يليق ترامب بأميركا مثلما هو حال سياسييها كلهم غير أنها أكبر من أن تختزل في فرية اسمها السياسة.

http://www.ikhnews.com/index.php?page=article&id=160681