من نحن   |   اتصل بنا   |  
مقالات اليوم
حجم الخط :
عدد القراءات:
15652
02-12-2019 08:51 AM

حسم مسألة صراع الهوية أعظم إنجازات ثورة تشرين في تاريخ العراق المعاصر






عراق الأمير

بعد الإحتلال الأمريكي تعرضت الهوية العراقية التي بهتت ملامحها في ظل ممارسات النظام السابق ، الى اهتزازات عنيفة مما هيأ للإسلام السياسي الشيعي والسني الذي لا يؤمن بالأساس بفكرة الوطن حيث أن الوطن لديه " صنم يعبد من دون الله " فرصة تاريخية إلتقطها للنيل من الهوية الوطنية العراقية بحيث باتت الأفكار والممارسات تصب كلها في أطر فئوية طائفية وعرقية وإثنية موجهة كالسهام ضد الآخر في ربوع الوطن الواحد . كان هذا بداية الخطر الحقيقي الذي هدد مستقبل العراق والعراقيين والذي تسبب بدوره في إنتاج أفسد وأفشل طبقة سياسية تسيدت على السلطة من دون أي فهم أو إدراك للظاهرة الطبيعية في التعدد الديني والمذهبي والإثني في المجتمع العراقي وهي بالمناسبة ( ليست ظاهرة عراقية بل ظاهرة طبيعية تشترك فيها المجتمعات بلا استثناء ولكنها قد تكون كبيرة أو محدودة في بعض البلدان ) . فالتعدد والتنوع في العراق قديم جدا قِدَم تاريخهِ لكنه لم يكن حاجزاً بين الشعب في التوحد وإرادة العيش المشترك ، حتى إنه للأسف أخذنا نتعايش مع إعلام وطروحات فكرية وسياسية لم تخجل من توزيعنا على طوائف وأقليات ومناطق على حساب الهوية العراقية الوطنية الواحدة . أي أن سوء الممارسات في التجارب الماضية والعطب في البناء السياسي الداخلي ، إضافة إلى الإحتلال والتآمر الإقليمي وخلو الساحة أمام أعتى الرجعيات والمتمثلة بالأحزاب الدينية الفاقدة لشرعية العصر ، أدى كل ذلك للإساءة إلى المفاهيم نفسها ، فاستبدل الإنتماء الوطني بهويات فرعية طائفية ومذهية وجهوية ومناطقية ، وأضحى العراقيون في كل واد تقسيمي يهيمون ويقولون ما لايفعلون !
الصراع على الهوية في العراق كان هو جوهر الصراع السائد على الأقل منذ ستة عشر عاما ، وهو أيضا صراع دولي / إقليمي في إطاره العام ، وحولته الأحزاب الدينية إلى صراعات طائفية ومذهبية وإثنية . لكن صمام الأمان لوحدة العراق ظل يكمن في العقل الجمعي من خلال التأكيد وباستمرار على الطبيعة السياسية للصراع ، وفي العمل الدؤوب لبقايا القوى الوطنية على ملء بعض الفراغات قدر المستطاع وطنياً من خلال الدعوة للإمساك بالمشروع الوطني الجامع بركيزته الديمقراطية الحداثية باعتباره هوية إنتماء ثقافية حضارية لكل العراقيين .
العراق وبعد المعاناة والمأساة التي عاشها عذاباً مراً وجرحاً نازفاً وضعت مصيره على حافة طريق حاد ، إحتاج دائماً إلى حسم هويته من خلال طرح فكري يجمع ولا يفرق ، يدعو إلى التكامل من دون إثارة المخاوف ، هوية جامعة ترعى وتتكامل مع خصوصيات الوطن والدين والمذهب والأصول العرقية والإثنية . إن مثل هذا الوعي الوطني كان لا بد ان يتشكل في العمق الشعبي ويتجذر عبر جيل جديد من الشباب يحمل خطاب وطني حداثي مغاير يجعل من الحرية والمساواة وحقوق المواطنة معياراً لسلامة مسار الدولة المدنية ، وأرضية ثابتة لاختبار مصداقية النهج الديمقراطي الذي يتطلع إليه . من هنا جاء إنطلاق مشروع الإنتفاضة الشعبية ( نريد وطن ) الذي بشر به شباب حراك تشرين والذي أنجزوه بتضحياتهم وعبدوا طريقه بدماء شهدائهم ليؤدي بالضرورة الحتمية الى فتح صفحة جديدة مشرقة في حياة العراقيين تبدد السحب السوداء وتنفض غبار الإسلام السياسي الطامس لهويتهم ويعيد لهم من جديد بسمة الحياة ونضارتها من خلال هندسة أرضية وطنية جديدة تجسد حالة التناغم والإنسجام بين أطياف وفئات المجتمع كافة ، وتحول دون تجريد هذا المفهوم من مضمونه الواحد في خدمة الوطن واستقراره وتنميته . حقاً حسم مسألة صراع الهوية لمصلحة الهوية العراقية الوطنية الجامعة هو من أعظم الأهداف التي أنجزتها إنتفاضة تشرين والتي وحدت العراقيين بمختلف قومياتهم وأطيافهم وكياناتهم تحت رايتها .




اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: