من نحن   |   اتصل بنا   |  
مقالات اليوم
حجم الخط :
عدد القراءات:
15048
19-04-2019 09:51 AM

مفارقات السياسة .. سخرية وضحك حد البكاء في بلد خاب فيه الرجاء




بغداد/ الاخبارية

عراق الأمير

المفارقة بالأساس مصطلح غربي مشتق من الكلمة اللاتينية ( أرونيا ) التي تعني التناقض عندما تحتوي في داخلها الشيء وعكسه . والمفارقة أيضا تعطي بالأضافة لمفهوم التناقض ، مفهوم السخرية . ومن أشهر النصوص الساخرة تاريخيا ، النص الشهير للفيلسوف اليوناني سقراط الذي سَخِرَ من جلاده وهو يتجرع السم ويردد على تلاميذه الذين كانوا يراقبون المشهد بألم ويرددون : من المؤسف أيها المعلم أن تموت دون ذنب إرتكبته ، فأجابهم : وهل تظنون الموت كان يمكن أن يكون أسهل لو كنت مذنبا ؟ وبهذا يكون سقراط قد أضحك تلاميذه وأثار حقد أعدائه . وسخر أحد رجال الثورة الفرنسية من خصومه وأضحك الآخرين حين قال قبل إطلاق الرصاص عليه : رصاصة واحدة تكفيني ودع الباقي لبريء آخر .

ان المفارقة تخلق توازنا في الحياة والوجود ، فهي نظرة فلسفية للحياة ، قبل أن تكون أسلوبا أدبيا بلاغيا ، ندرك بها سر وجود التنافرات والتناقضات التي هي جزء من بنية الوجود نفسه . وحين تنكشف لنا المفارقة في الحياة تبدو لنا الحياة على حقيقتها ، فهي إذا نوع من إستنباط الحقيقة . والمفارقة يمكن أن تظهر في الحياة اليومية العادية أو في العلوم أو في السياسة .

وبالعودة الى موضوعنا فأن المفارقات في السياسة العراقية منذ زمن طويل كثيرة ومتنوعة ولا يمكن لنا ولا لغيرنا حصرها وعدها . وهنا وعلى سبيل المثال سأتناول بالرصد مفارقات فكرية لثلاثة نماذج سياسية شاخصة عراقيا .

الأول : خطاب البعثيين الأخير بمناسبة الذكرى الثانية والسبعين لتأسيس حزبهم ، هذا الخطاب ما زال يعيش أزمته الحقيقية الكامنة في الأنماط والأبنية الفكرية السائدة منذ عقود والتي أنتجت واقعا عراقيا وعربيا مأساويا مظلماً ومتردياً ، فآلية التفكير البعثي لم تتغير والطروحات التي يعتقدونها جديدة ليست إلا ماء يشربونه من نفس الإناء القديم ذاته وبالطريقة ذاتها وهو بذلك متلون بلون الإناء في عالم يموج اليوم بمقولات وحقائق جديدة عن النظام العالمي وحقوق الإنسان والعولمة والحداثة ومابعد الحداثة ، وصعود حركة الثقافة الإنسانية بشكل مدوي رغم التصارعات الدولية والحضارية . البعثيون لحد الآن يعلقون أخطائهم الجسيمة على شماعة نظرية المؤامرة ويبرؤون أنفسهم من المسؤولية ويريحون عقولهم من عناء البحث عن الحقائق والمعلومات وكأن كل الذي حدث إنما حدث بطبيعية وعفوية . إنهم غير قادرين حتى الآن على إمتلاك رؤية التفكير الجاد المبني على الحقائق بكل أبعادها وألوانها البيضاء والحمراء والسوداء ، رؤية تستفيد من النكبات والسقطات ، رؤية تحفظ وتنصف ولا تغفل وتتغافل ، رؤية لا تتجاهل أسباب العجز والإخفاق والتراجع والتردي المأساوي الذي أصاب أمتنا بسببهم .

الثاني : خطاب الشيوعيين ، وبنتيجة الوعي الزائف للأديولوجيا ضَلً يرفض الإقرار بنهاية عصر الشيوعية بالرغم من فقدان عذريتهم الوطنية حين ساروا بأريحية وراء الموكب الذليل لغزو العراق ، وحين توجوا نضالهم السياسي والفكري بتحالف ماركس والمهدي المنتظر فأحالوا ظاهرة إجتماعية ذات طابع تاريخي الى ماهو ظاهرة طبيعية أزلية مما يعني إلغاء المادية التاريخية ، فتحول التاريخ والمجتمع الى ظواهر طبيعية وهذا يعني تشيؤ الإنسان أي تحوله الى شيء ، لتصبح العلاقات الإنسانية أشياء تتجاوز التحكم الإنساني فيصبح الإنسان مفعولاً به وليس فاعلاً ، وبهذا يفقد إرادته وقابليته على التغيير والتطور والتقدم البشري .

الثالث : كيانات وأحزاب الإسلام السياسي بشقيها السني والشيعي اللذان يشربان من قُلًة واحدة هي قلًة التراث السلفي الأصفر ، فهما نبعان لا ينضبان للمفارقات في الحياة والسياسة ، وهما لا يعرفان العالم في أي مرحلة من مراحل التاريخ يعيش لأن المستقبل لديهم يكمن بالماضي وليس الحاضر . لذا فالبلد في ظل حكمهم و الذي يملك أكبر ميزانية في العالم بالقياس الى حجم سكانه لا توجد فيه كهرباء ولا صحة ولا تعليم ولا زراعة ولا صناعة ولا تجارة ولا مياه صالحة للشرب ولا طرق معبدة ولا مؤسسات متراكبة ولا ولا !! وفي ظِلْ حكمهم أيضا وقف ملايين العراقيين طوابير أمام مقرات منظمات الهجرة في أكبر عملية نزوح جماعي شهدها تاريخ الهجرة في العالم بسبب إنعدام الأمن والأمان !! والأحزاب والكيانات التي ترفع يافطة المشروع الوطني يمارس قادتها الطائفية والعنصرية بامتياز !! والبرلمان الذي يفترض به مكافحة الفساد المالي والحفاظ على ثروة العراق يعطل إستجواب المسؤولين الفاسدين !! ووزير الخارجية الذي يتحدث عن دور إقليمي للعراق ينسى أن العراق منزوع السيادة واقعيا وفعليا !! وفي الوقت الذي توجد عندنا وزارة لحقوق الإنسان ونظام ديمقراطي تعددي ، تمتلأ السسجون والمعتقلات بعشرات الآلاف من أبناء العراق ومن دون عرضهم على القضاء منذ سنوات !! والحكومة التي تتحدث عن ضرورة عودة العلماء والأكاديميين والمهندسين العراقيين من أجل بناء بلدهم ، هي نفسها لا تدري إن كان قانون الكونغرس الأمريكي الذي شرع في عام 2002 قانون تشجيع هجرة العلماء العراقيين الى أمريكا هل لا يزال ساري المفعول أم لا ، رغم ما يشكله من خطورة على مستقبل ثروة العراق العلمية ؟! حقا سخرية وضحك حد البكاء في بلد خاب فيه الرجاء .




اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: