من نحن   |   اتصل بنا   |  
مقالات اليوم
حجم الخط :
عدد القراءات:
20718
02-03-2019 01:35 PM

نهب الزمن وقبح الأديولوجيا وصناعة محطات الإنتظار !!




عراق الأمير

شكل نظام المحاصصة الطائفية والعرقية ضربة للفكر العراقي الوطني السائد ، وصدمة من الصدمات لا تقل من حيث المشابهة والخطورة عن صدمة الإحتلال . وكنا نتوقع لهول الأحداث إستنباط الدرس الفكري الناجع لنقد الذات والتجربة الحزبية العراقية بصورة عامة وشاملة ، إلا إنه للأسف لم يحظ الماضي ولو بالحد الأدنى من النقد الذاتي مما ولد حاضرا أكثر مأساوية وأشد قتامة . فخلال أكثر من نصف قرن إرتكن العقل الحزبي العراقي وبدون إستثناء لما هو مريح في التأويل وما هو غير مكلف في إستشراف الرؤية لمستقبل أقل خيبات وتراجعات وإهدار للثروات . بل إن ثروة الزمن نفسها تم إهدارها ، فظل التفكير نفسه والركود العقلي وعدم النضوج والطفولة السياسية ذاتها ولكن بمبتكرات وتقنيات جديدة ، بحيث أصبح الفكر التراجعي المحنط والمنبعث من عصور الإنحطاط والظلام الذي تحمله أحزاب الإسلام السياسي السني والشيعي يلقى في الوطن رعاية ما لم يلقه الفكر الذي طرحه مفكرو عصر النهضة والحداثة والتقدم . فتحول نضال وكفاح الجماهير العراقية وقواها الشعبية وطبقاتها الوسطى وأحزابها الوطنية الشريفة إلى ما يشبه السراب في الزمن ، وإلى ما يشبه البخار المتصاعد في السماء كسحابة صيف لم تحدد بعد المدن الأخرى التي ستمطر عليها فتن وصراعات طائفية وتكفيرية وإثنية ومناطقية . حتى الأحزاب والكيانات الجديدة التي خرجت من رحم المأساة إستسلمت هي الأخرى للفخ الذي نصبه لهم الآخرون كي لا يخرجوا من إطار الخطاب الماضوي العصبوي فانخرطوا جميعا في أصناف العمل الحزبي القديم المدمر للذات مما أدى الى انتاج طبقة سياسية مخزية عاهرة أنهكت البلاد وسبت العباد . في كل ذلك يستغرب المتأمل كيف أن عنصر الزمن أصبح لا قيمة له في العراق إلا قيمة عكسية هي تخريب الدولة وتشريد الشعب ونهب الثروات ، ومع ذلك لم نفطن بعد الى الفخ المنصوب لنا مما جعلنا نخسر الزمن ، فالزمن هو المنهوب الأكبر بين أيدينا وكأننا ندور في حلقة مفرغة أو ننطلق من معادلة صفرية .

وفي كل مرة وكل كارثة تأريخية يجري التوجه للماضي لإستخراج القيمة والتأويل وتصمت النخب الوطنية والثقافية عن فداحة خراب الحاضر ، هذا المسكوت عنه كي يبقى موردا للرزق والإرتزاق ويظل العراقيون يتعثرون في متاهات خطابات أرباب العملية السياسية ومبتكرات الفاسدين ، لكأن الكلام هو الناتج الوحيد لنا من الزمن وليس الفكر والجرأة والصراحة والشجاعة في طرح خطاب سياسي ثقافي عقلاني حداثي مغاير . والأكثر صدمة وغرابة أن القوى القومية والقوى اليسارية التي ظلت تتقاسم الساحة الوطنية العراقية لأكثر من سبعة عقود وأقصد بالذات البعثيين والشيوعيين لا يزالان يحجمان عن الإعتراف بأخطائهم الجسيمة القاتلة سادرين بقبحهم الأديولوجي الفادح ، متناسين إن الذين لا يخطئون ليسوا بشر ، فكل من يعمل يخطأ ، وكان الروائي الفرنسي فيكتور هيغو يقول " إنه لثناء باطل أن يقال عن رجل إن اعتقاده السياسي لم يتغير منذ أربعين عاما ، فهذا يعني ان حياته كانت خالية من التجارب اليومية والتفكير والتعمق الفكري في الأحداث ، إنه كمثل الثناء على الماء الراكد لوجوده وعلى الشجرة لموتها " .

وفي ظل نهب الزمن أيضا وخلال أربعة تجارب إنتخابية ، تمت صناعة الإنتظار كمسكن ومخدر لعقول العراقيين ، ومع الانتظار إستمر وسيستمر الكلام فقط بطريقة تعين الناس على إستبقاء نمط تفكيرهم كما هو ، تفكير قروسطي ، لينتهي الأمر بكوارث مدمرة فاجعة قد تصل حد الإحتراب الأهلي .. فهل سنغادر محطات الإنتظار ؟ على الصعيد الشخصي وعلى المدى البعيد جدا أشك في ذلك .




اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: