من نحن   |   اتصل بنا   |  
حجم الخط :
عدد القراءات:
3965
15-10-2018 03:03 PM

الهيئات المستقلة … وإرادة السيطرة وامتداد النفوذ ؟!




كتبه:اياد عبد اللطيف سالم
الهيأة هي الحال التي يكون عليها الشيء محسوسا كان أو معقولا ، وفي العرف الإداري غالبا ما تكون الهيئات وحدات إدارية تقوم بنشاط فني يتطلب قدرا كبيرا من التخصص ، وهي بذلك جزء من الهيكل الإداري العام للسلطات الإتحادية في الدولة ، ولكنها مستقلة من حيث إدارة شؤونها الإدارية والمالية وتنفيذ إختصاصاتها ومهامها وواجباتها وفقا لقوانينها الخاص ، وليس معنى ذلك أن تكون مستقلة تشبها بالتحرر والخلاص من ربقة القيد والسيطرة الأجنبية ، أو ذات إستقلالية بمعنى النزعة الرامية إلى الإنعتاق من قبضة السلطة الرقابية العليا ، لأن الهيئات التي تتمتع بالإستقلال الإداري والمالي فقط ، لا تخرج من دائرة هيمنة وسيطرت السلطات المرتبطة بها بأي حال من الأحوال ، سواء في إختصاصاتها أو مهامها أو في أمورها الإدارية والمالية . أما المستقلة بتمام شؤونها والتي هي موضوع البحث ، فإن الإستقلال الإداري والمالي يكون جزء من إستقلالها الخاص ، ويتعداه إلى الإستقلال في أداء الوظائف والأعمال والمهام المهنية ، بحيث لا يكون لأية جهة صلاحية أو سلطة التدخل في أعمالها ، سواء المالية أو الإدارية أو وظائف إختصاصاتها ومهامها وواجباتها الفنية ، فهي جهات لا سلطان عليها ولا تخضع إلا لحكم القانون وأدواتها الداخلية ، وهذا النوع من الإستقلال يجعل منتسبي الهيئة وكلا حسب إختصاصه ، مستقلون في أداء مهامهم المنصوص عليها في قانون الهيئة ، وحيث سبق للمحكمة الإتحادية أن أعطت رأيا تفسيريا بقرارها المرقم (228/ت6/2006) في 9/10/2006 ، بشأن معنى الإستقلال الوارد في المادة (102) من الدستور، التي تنص على أن ( تعد المفوضية العليا لحقوق الإنسان ، والمفوضية العليا المستقلة للإنتخابات ، وهيئة النزاهة ، هيئات مستقلة ، تخضع لرقابة مجلس النواب ، وتنظم أعمالها بقانون ) ، وبأن ( منتسبي هيئة النزاهة مستقلون في أداء مهامهم المنصوص عليها في القانون ، ولا سلطان عليهم في أداء هذه المهام لغير القانون ، ولايجوز لأي جهة التدخل أو التأثير على أداء الهيئة لمهامها ، وأن الهيئة تخضع لرقابة مجلس النواب في أداء هذه المهام ، فإذا ما حادت عنها أو تجاوزتها ، فإن مجلس النواب يملك لوحده محاسبتها ويتخذ الإجراء المناسب في ذلك بها ، ومعنى ذلك أن هذه الهيئة تدير نفسها بنفسها ووفقا لقانونها ، شأنها شأن البنك المركزي الذي يتمتع بهذه الإستقلالية ، لتمكينه من أداء مهامه دون تدخل من إحدى الجهات ) .
ولدى مراجعة القوانين الخاصة بالهيئات المستقلة المنصوص عليها في الدستور ، تبين أنها جميعا تتمتع بالشخصية المعنوية التي أراد المشرع أن يعترف بها كمؤسسات حكومية ، ويعطيها الحق في ممارسة كافة أنواع التصرفات القانونية في التعامل ، وفي إكتساب الحقوق وتحمل الإلتزامات ، وأن يكون لها ذمة مالية مستقلة شأنها في ذلك شأن الأشخاص الطبيعيين ، كما إتضح عدم إتباع قاعدة عامة أو خاصة يتم بموجبها تحديد علاقة أو إرتباط أيا منها بمجلس النواب أو بمجلس الوزراء ، وإنما كان ذلك عشوائيا ولا يستند إلى أسس معلومة تأخذ بعين الإعتبار نوعية وحجم العمل وعلاقته المباشرة بمصالح الدولة العليا . كما إن الإقرار بوجود هيئات مستقلة تمارس أعمالها على وفق الأحكام التنظيمية الخاصة بها قانونا ، يستوجب مراعاة ما تقدم بيانه ، لأن الغموض والإبهام الذي يحيط بصياغة المواد الدستورية بإستخدام عبارات ( تخضع لرقابة مجلس النواب ) و ( مسؤولا أمام مجلس النواب ) و ( يرتبط بمجلس النواب ) و ( ترتبط بمجلس الوزراء ) ، وترك الباقيات غير المؤسسات من غير خضوع أو إرتباط ، يساعد على التأويل والإجتهاد غير المؤسس على قواعد أحكام الدستور ، فيكون الخلط بين المفاهيم مستندا إلى نفوذ الأهواء والرغبات الحاكمة بدافع المقاصد المتعددة ، ومن ذلك تفسير المحكمة الاتحادية العليا بقرارها المرقم (88/إتحادية/2010) في 18/1/2011 ، بناء على إستفسار من رئيس مجلس الوزراء ، والذي جاء فيه ( بأن ربط بعض الهيئات المستقلة ذات الطبيعة التنفيذية في عملها ، بمجلس النواب أمر لا يتفق مع إختصاص المجلس ، ويتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات ، ولا يتفق مع ما جرى العمل عليه في برلمانات العالم ، كما تجد المحكمة الإتحادية أن ( إرتباط ) بعض الهيئات المستقلة بمجلس النواب ، لا يحول دون الإشراف على نشاطاتها من قبل مجلس الوزراء ، تطبيقا لإختصاصاته الواردة في الدستور ، بإعتبارها جهات غير مرتبطة بوزارة ، أما بقية السلطات التي لم تحدد النصوص الدستورية إرتباطها بمجلس النواب أو بمجلس الوزراء وتمارس مهام تنفيذية ، وأخضع الدستور قسم منها ( لرقابة مجلس النواب ) أو جعلها ( مسؤولة أمام مجلس النواب ) ، فأن مرجعيتها لمجلس الوزراء ، ويكون لمجلس النواب حق الرقابة على أعمالها ونشاطاتها ، وتكون مسؤولة أمام مجلس النواب شأنها شأن أية وزارة أو جهة تنفيذية غير مرتبطة بوزارة ، سواء ذكر ذلك النص الدستوري أو لم يذكر ، تأسيسا على ما أورده من نصوص تعطي حق الرقابة لمجلس النواب على أعمال السلطة التنفيذية ) .
وإذ نؤيد عدم جواز إرتباط الهيئات المستقلة بمجلس النواب وإستمرار خضوعها لرقابته ، إنسجاما وأحكام المادة (61/ثامنا/ه) التي تنص على أن ( لمجلس النواب ، حق إستجواب مسؤولي الهيئات المستقلة وفقا للإجراءات المتعلقة بالوزراء ، وله إعفاؤهم بالأغلبية المطلقة ) ، مع ضرورة ضمان عدم إرتباطها بمجلس الوزراء بأي شكل كان ، حرصا على إستقلالية عملها وإبعادها عن مصادر المؤثرات السلبية للعلاقات التنظيمية الحاكمة ، وذلك بإرتباطها بالسلطة التنفيذية من جهة رئيس الجمهورية أو أحد نوابه ، إستنادا لأحكام المادة (73/عاشرا) من الدستور ، الخاص بصلاحية توليه ممارسة أية صلاحيات رئاسية أخرى واردة في هذا الدستور ، سيما وأن صلاحيات وإختصاصات مجلس الوزراء لا تمنع من ذلك ، إضافة إلى عدم إشارتها إلى إرتباط أو علاقة الهيئات المستقلة به من قريب أو بعيد ، ولأن بعض إختصاصات السلطات الإتحادية الحصرية تدخل ضمن مهام تلك الهيئات ، فلا بد من عدم التوسع في إنشاء وتأسيس الهيئات المستقلة السالبة لإختصاصات ومهام دوائر الحكومة المرتبطة أو غير المرتبطة بوزارة ، وتقييد ذلك بأحكام الضرورة القصوى والحاجة الملحة والملجئة لذلك ، وعلى أن تكون دواعي التأسيس أو الإنشاء قابلة للتنفيذ وتحقيق النفع العام ، وليس بصيغ الجواز الخاضع لإرادة الحكومة في تنفيذ سياستها الخاصة متى شاءت أو رغبت في ذلك ، أو لتمرير نصوص دستورية ظاهرها عام وتطبيقاتها خاصة لمنفعة محددة ومعينة .
اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: