من نحن   |   اتصل بنا   |  
مقالات اليوم
حجم الخط :
عدد القراءات:
2905
10-02-2018 05:15 PM

في مسألة رغد صدام حسين - بقلم: فاروق يوسف




ليس من باب المبالغة القول إن العراق يملك ما لا يمكن حصره من المشكلات الجوهرية التي تتعلق ببنيته ومصير تركيبة مجتمعه ووجوده وسبل الحياة فيه وصولا إلى صورته في المستقبل .

العراقيون يجهلون ما الذي تخطط له الكتل السياسية الحاكمة التي لا تزال رهينة مشكلات الحكم بالرغم من قيام حكومات تُوصف مجازا بالوطنية في مرحلتي الاحتلال الأميركي وما بعده. وكما صار متعارفا عليه فإن الصراع بين تلك الكتل يتركز على 'مَن يحكم؟' لا على 'كيف يتم الحكم؟'

وكما يبدو فإن 'النخب' السياسية باتت في حل من مسؤولية تقديم مشاريع تنطوي على حلول للمشكلات المعقدة التي يعاني منها المجتمع العراقي الذي تُرك جانبا في ظل المغالاة في تسليط الضوء على المشكلات التي تقض مضاجع السياسيين.

في سياق تلك الفوضى يمكن النظر إلى مسألة رغد صدام حسين التي اكتسبت بطريقة غير مفهومة أولوية بالنسبة للسياسيين العراقيين، كما لو أن تلك المرأة المنكوبة يشكل وجودها حرة، كريمة وفي منأى عن الرغبة المريضة في الانتقام، تهديدا للعراق.

لا أعتقد أن أحدا من العراقيين يرغب في معرفة شيء عن الابنة الكبرى للرئيس الراحل. لا لقلة الوفاء وضعف الولاء، بل لأن حجم الكارثة التي ضربتهم لا يسمح لهم بالقيام بذلك.

التفكير بمصير مواطنة عراقية واحدة صار نوعا من الترف في ظل تعرض ملايين المواطنين إلى النوع نفسه من اليتم الإجباري والمجاني الذي تعرضت له رغد صدام حسين. لذلك صارت الناس تنسى. صار القدر السيء يقرع طبوله كما لو أنه ترك العالم وراءه وتفرغ للعراق.

من جهتها فإن المرأة التي فقدت زوجها ومن ثم أبيها وأخويها لم تكن يوما جزءا من معادلة سياسية. وحين لجأت إلى الأردن فإنها لم تكن ترغب إلا في حياة آمنة بعيدا عن ماكنة الانتقام العمياء. فهي عراقية وتعرف أبناء جلدتها، بكل ما تنطوي عليه تلك المعرفة من قسوة وألم.

لم ينتقم الإيرانيون من فرح ديبا زوجة الشاه السابق.

لم يمس المصريون سوزان مبارك بأذى.

ليلى طرابلسي لا تزال تعيش بهناءة بعيدا عن شعور التونسيين بالغبن.

الأمثلة كثيرة في ذلك المجال الإنساني الذي تحرص الشعوب على أن تلتزم بطابعه الأخلاقي النبيل والسامي. اما العراقيون فإنهم للأسف لم يقدموا ما يؤكد حرصهم على الإبقاء على القيم الأخلاقية المتعففة التي تحفظ لهم كرامتهم.

يعترف العراقيون أنهم أخطأوا حين قتلوا العائلة المالكة عام 1958. يعترفون أنهم أخطأوا حين نفذوا حكم الإعدام من غير محاكمة بزعيم جمهوريتهم عبدالكريم قاسم. اما بالنسبة لإعدام الرئيس الراحل صدام حسين الذي يقولون أنه جرى بناء على رغبة أميركية ــ إيرانية فإن زمن الاعتراف بالخطأ لم يحن بعد.

غير أن مطاردة ابنة الرئيس الراحل تنطوي على الكثير من الإشارات المذلة التي ينبغي على الشعب العراقي أن ينتبه إليها. فما حدث ويحدث في العراق انما ينطوي على محاولة لتدمير القيم الأخلاقية بما يمهد لقيام مجتمع فاسد لا يحمي الفاسدين حسب، بل يغذي ماكنة الفساد أيضا بكل ما تحتاجه من صمت وخنوع وقبول بالجريمة.

يكمن الجانب الخطير في مسألة رغد صدام حسين في جزئها الأخلاقي، فما من شيء فيها يمت إلى السياسة بصلة. وهو ما يجب أن يقف العراقيون ضده دفاعا عن كرامتهم وشرفهم.

من المؤكد أن مؤسسة مثل انتربول لن تستجيب لطلب الحكومة العراقية بالقبض على رغد صدام حسين، ذلك لأنه طلب يخلو من أي مسوغ قانوني، غير أن الأمر بالنسبة للشعب العراقي هو عبارة عن مكيدة يُراد من حلالها تدمير قيمه الأخلاقية.

 

رغد صدام حسين وهي ابنة رئيس عراقي راحل يحق لها أن تعيش حرة في المكان الذي تشعر فيه بالأمان. تلك قاعدة يكشف الشعب من خلالها عن معدنه الحقيقي.

اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: