من نحن   |   اتصل بنا   |  
مقالات اليوم
حجم الخط :
عدد القراءات:
2721
28-01-2018 02:27 PM

الانتخابات العراقية: حمى المقاطعة وجدوى المشاركة – بقلم: صادق الطائي




 زاوية ربما تم التغاضي عنها، أو إهمالها من وسائل الإعلام التقليدية كالصحف والفضائيات والإذاعات، لكنها تشعل ساحات التواصل الاجتماعي بنقاشات محتدمة، تصل حد المعارك والتشاتم والاتهام بالخيانة من طرف تجاه الآخر .

هذه الزاوية، ببساطة، هي الصراع بين كتلة تدعو إلى مقاطعة الانتخابات العراقية المقبلة في مايو 2018، بينما ترى الكتلة المناهضة لها أن ذلك نوع من الانهزامية غير المجدية، لترد الكتلة الاولى الاتهامات باتهامات مضادة، بإعطاء شرعية للفساد عبر المشاركة في الانتخابات، وهنا محاولة للتعرف على وجهتي النظر ومحاولة تقييمهما وفق المعطيات السياسية والقانونية.

نتيجة تزايد تأثير دعوات المقاطعة وتخوف الحكومة منها – كما علق بعض المراقبين – أصدر مكتب رئيس الوزراء تعليمات بمنع صرف مرتبات من لم يصدر بطاقته الانتخابية، لكن وفي اليوم نفسه الذي صدرت فيه هذه التعليمات وكنتيجة واضحة لمدى التخبط تجاه الموضوع، ذكر مكتب رئيس الوزراء في تصريح رسمي آخر ذكر فيه، «في الوقت الذي نجدد فيه دعوة المواطنين لتسلم البطاقة الانتخابية لأهميتها، وللحفاظ على سلامة العملية الانتخابية من التلاعب، وأهمية إجراء الانتخابات في موعدها، نؤكد عدم صلتها بصرف رواتب الموظفين واستمرارها بشكل طبيعي، ووجه رئيس الوزراء بإجراء تحقيق فوري بملابسات صدور كتاب من الأمانة العامة لمجلس الوزراء خلافا لهذه التعليمات».

سنتعرف أولا على الكتلة التي تدعو إلى المقاطعة، والتي طرحت وجهة نظرها عبر ما يكتبه بعض الناشطين على صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي نستطيع تلمس مدى تأثير هذه الدعوة، من خلال التعرف على مديات التفاعل والتعاطف مع هذه الطروحات، ويبدو واضحا أنها تلقى رواجا كبيرا بين العراقيين المتذمرين من واقعهم السياسي وانعكاساته على كل تفاصيل حياتهم اليومية، وفي الوقت نفسه، نستطيع تلمس الإحباط الواضح من إمكانية التغيير عبر صناديق الاقتراع، أو الطرق الرسمية التي حددتها الآليات الديمقراطية للعملية السياسية في العراق، والسبب كما يراه أغلب هؤلاء الناشطين، أن هناك انسدادا في أفق التغير عن طريق الانتخابات، لأن العملية السياسية برمتها فاسدة، وبالتالي لن تنتج عنها إلا نتائج فاسدة، لذلك يجب على الشعب ألا يعول على العملية السياسية وآلياتها المعروفة في التغيير وأولها صناديق الانتخاب. كما يصف بعض الناشطين دعوتهم لمقاطعة الانتخابات على أنها نوع من المعارضة السلمية للعملية السياسية الفاسدة، بل ذهب بعضهم إلى تشبيهها بنمط من النضال اللاعنيف، وشبهوها بمنهجية المهاتما غاندي في التعاطي السياسي، وهنا ظهر صوت تيار آخر متذمر من العملية السياسية، لكنه يدعو إلى معالجة بطريقة مغايرة قليلا، إذ يطالب بعض الناشطين بعدم مقاطعة الانتخابات بطريقة سلبية بعدم الذهاب والاقتراع، لأن ذلك من وجهة نظرهم سيفتح الباب لإمكانية التزوير وسرقة أصوات من استخرجوا بطاقات انتخابية ولم يستعملوها، وذلك بإملاء بطاقاتهم الانتخابية بمن يرغب ببقاء الفاسدين، ووضعها في صناديق الاقتراع، ويحدث ذلك عادة في المراكز الانتخابية النائية نسبيا، في الأقضية والنواحي والقرى البعيدة حيث الرقابة على نزاهة الانتخابات ضعيفة، والحل الأنجع بالنسبة لناشطي هذا التيار تكمن في الذهاب للانتخاب، وسحب بطاقة انتخاب وإفسادها عن طريق تركها بيضاء، أو استخدام أي وسيلة لتكون بطاقة بطالة، وبذلك يسد الطريق في وجه المزورين، ويكون الشخص قد أدى دوره الأخلاقي في رفض العملية السياسية الفاسدة.

لكن المتشددين في المقاطعة يردون برفض هذه الفكرة أيضا، ومثال ذلك ما كتبه أحد اهم الناشطين في حملة مقاطعة الانتخابات وهو الدكتور نصير غدير نعيم على صفحته في الفيسبوك تحت عنوان «المشنعون على الداعين للمقاطعة» حيث يقول؛» إنها خدعة تافهة، أن تدعوا للذهاب إلى الانتخابات وإبطال الورقة الانتخابية، أولاً: لأننا نعرف أن من يصوت، وليس من يبطل ورقته فحسب تتم سرقة صوته وتغييرها، وثانياً أن الذهاب للانتخابات المزيفة هذه يمنح الشرعية لزيفها ولمن فاز بسبب زيفها. فليس من يقاطع الانتخابات ملوماً على نتائجها، بل من خاضها مؤمنا أو مخدوعاً أو مرغماً». كما رد على من يحاججه بحجة أن قانون الانتخاب والدستور العراقي لم يحدد حدا ادنى للمشاركة الانتخابية، وبذلك فإن تدني المشاركة لن يطعن في شرعيتها بأي حال من الاحوال بقوله، «إشارتكم للقانون الأعور الذي تغافل عن شرعية الانتخابات وعدمها، بحسب نسبة المشاركة، يحكمكم لا يحكمني، فالقانون مهمته إرساء العدالة، لا تمرير الاحتيال والتزوير، فحتى لو سمح القانون المجحف لقوى الفساد بنيل الشرعية القانونية، فإن الضمير الإنساني والتاريخ سيقول بعدم شرعية من لا يصوت له غالبية الشعب، ومن ثم لن أشارك بتمرير شرعية هؤلاء أخلاقياً».

كما ذكر انصار المقاطعة، أن البعد القانوني غائب نتيجة الدستور، والمنظومة القانونية الفاسدة التي انتجتها العملية السياسية الفاسدة، لكن هنالك البعد الأخلاقي أمام العالم والأمم المتحدة التي ستنظر إلى حكومة أفرزتها مشاركة انتخابية محدودة، على أنها حكومة مطعون في شرعيتها، ليجيب الطرف المتحفظ والمطالب باتلاف الورقة الانتخابية بالقول؛ «بالعكس المقاطعة سيكون مردودها سلبيا على الشعب الذي سوف يعطي انطباعا بانه ليس مؤمنا بآليات الديمقراطية. الغرب يفهم الموضوع من منظوره الخاص، الغرب يرغب بأن تكون هناك عملية ديمقراطية في العراق، حتى لو كانت كسيحة وليس عرجاء فقط».

ويبقى منتقدو المقاطعة يوجهون اسئلتهم لدعاة المقاطعة فيسألون مثلا؛ وماذا بعد؟ واذا قاطعتم الانتخابات كيف ستحققون التغيير؟ وهل عملية المقاطعة ستكون عبارة عن جلوس في البيت فقط، دون طرح رؤية أو برنامج بديل؟ أم ستتبع المقاطعة دعوة لتنظيم تظاهرات واعتصامات مليونية؟ وكان جواب عدد من المعلقين من دعاة المقاطعة على الاسئلة هو؛ وجوب حدوث هذا الفعل الاحتجاجي، بل تمت المزايدة على ذلك من بعض الغاضبين، بدعوتهم إلى ثورة شعبية كاسحة، تقتلع الفساد من جذوره. وهنا تبدأ لحظة تخوف الجميع من إمكانية خلط الأوراق، فالعديد من أنصار نظام صدام والرافضين للعملية السياسية برمتها يطالبون بالثورة وطرد «عملاء الاحتلال»و «الحكومة العميلة لإيران» كما يصفونها، فيسارع المتذمرون غير المسيسين إلى التأني والرجوع إلى فكرة المقاطعة السلبية، التي يرون فيها نوعا من الإشباع النفسي القائم على توصيف الذات بأنها على أقل تقدير لم تشارك في صعود الفاسدين إلى سدة الحكم مرة أخرى.

من طرفهم المطالبون بالمشاركة والحث عليها مشتتون ومتوزعون، بين مؤمن حقيقي ببعض الطروحات، خاصة طروحات الإسلام السياسي، التي ربطت الإيمان الديني بالفعل السياسي، حتى إن كان يشوبه الكثير من شوائب الفساد التي تعزيها الأحزاب الاسلامية إلى مؤامرات داخلية وخارجية تحاول أن تشوه سمعة الاسلاميين، كما أن هنالك شريحة المستفيدين من موظفين وعسكريين ومتقاعدين من الملتصقين بالسياسيين نتيجة حالة التخادم والزبائنية التي حكمت العلاقة بين الاحزاب والناخب، كما يجب ألا ننسى المنساقين بحالة من شبه الغيبوبة السلبية، التي تحرك القطيع الاجتماعي سياسيا، وتدفعه باتجاه انتخابات الوجوه نفسها بدون أن يعي السبب الحقيقي لفعلته، بينما تجد قلة واعية تركز على أهمية التغيير الصحي الذي يمكن أن ينتج عبر آليات الحراك الديمقراطي، والتصريح بان الثورات أو الانقلابات أو التغيرات العنيفة ستلحق بالضرورة بالمجتمع العراقي اضرارا كبيرة، لم يعد هذا المجتمع المنهك قادرا على تحملها بعد كل المآسي التي مرّ بها.

وربما كان ضعف أداء من يطالبون بالتحرك الواعي في الفضاء الانتخابي، الباحث عن بديل حقيقي نتيجة لحالة التشرذم التي أصابت الائتلاف العلماني المدني الديمقراطي في أولى خطوات التنافس الانتخابي، حيث تفتت ائتلاف «تقدم» الممثل الابرز للقوى العلمانية، وتوزع على اكثر من تجمع صغير، بل إن قوى مركزية في الائتلاف انسحبت منه لتشكل ائتلافا مع قوى اسلامية مثل الحزب الشيوعي الذي ائتلف مع التيار الصدري في كتلة «سائرون» ما تسبب في حالة من التردد والتراجع لدى شريحة واسعة كانت تعول على القوى العلمانية في الوقوف بوجه الإسلام السياسي، الذي تغول وأغرق البلد في دوامة العنف والفساد منذ 14 عاما.

كما انتقدت الكتلة المؤيدة للانتخاب دعاة المقاطعة الذين يدعون لبلورة موقفهم بالخروج باعتصامات وتظاهرات مليونية تتبع مقاطعتهم للعملية الانتخابية ومفرزاتها بالتساؤل؛»هل انتبهتم إلى المشكلة في الوقت الضائع لتطالبوا بالمظاهرت الان فقط؟ وأين كنتم منذ أربع سنوات؟ ولماذا لم تتحركوا إلا قبيل الانتخابات؟ وماذا كان حال المظاهرات المدنية منذ سنتين، ألم يستحوذ عليها الإسلاميون من فاسدي السلطة؟». ليبقى السجال مستمرا بين الطرفين، لكن الانتخابات ستتم في موعدها مع كل التأكيدات التي تدلي بها جميع الأطراف، بدون أن يعلم أحد حتى الآن مدى تأثير المقاطعة على مستقبل العملية السياسية.

 

كاتب عراقي

اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: