من نحن   |   اتصل بنا   |  
مقالات اليوم
حجم الخط :
عدد القراءات:
2565
12-11-2017 03:44 PM

نهاية الأقليات في العالم العربي




بقلم: فاروق يوسف
ما حدث للإيزيديين في العراق ما هو إلا الصرخة التي قُدر لها أن تذهب إلى المجتمع الدولي من غير أن تؤثر في مجريات الأحداث على أرض الواقع.

وإذا ما كانت تلك الصرخة قد الهمت القوى الدولية جزءا من شعورها بضرورة الإسراع في القضاء على التنظيم الإرهابي (داعش) فإن مصير الايزيديين لا يزال غامضا.

قبل مأساة الأيزيديين جرى تهجير المسيحيين بطريقة منظمة من العراق من قبل أطراف عديدة، البعض منها يحظى بدعم رسمي وحزبي معلن، فلم يعد الاعتراف بهم كونهم سكان العراق الأصليين يكفي لإثبات حقهم في البقاء على أرض أجدادهم.

قبل ظهور داعش كان المسيحيون العراقيون قد غادروا قراهم التي تقع شمال العراق وأفرغت البصرة جنوب العراق منهم بشكل تقريبي. يومها التزم العالم الصمت. كان هناك عرض عالمي وحيد هو أن يكون أولئك المطرودون من وطنهم لاجئين. كما لو أن القبول بهم لاجئين هو الحل الوحيد الممكن.

مسيحيو العراق الذين كانوا يهاجرون بقوة دفع ذاتي إلى الولايات المتحدة بحثا عن حياة أفضل صاروا مضطرين للقيام بذلك لأنهم لا يملكون خيارا آخر.

بموازاة حفلة الترويع والترهيب والتهجير التي غُطيت بدثار ديني كانت هناك حفلة نزوح كبرى قد أعدت لها وأشرفت على تنفيذ فصولها ميليشيات طائفية ذهب ضحيتها الملايين من أبناء المناطق ذات الغالبية السنية. وهي المناطق التي قاومت الاحتلال الأميركي فحل بها العقاب الإيراني.

وإذا ما كان سنة العراق لم يشعروا يوما في تاريخهم الذي هو تاريخ العراق نفسه بأنهم أقلية فقد دفعتهم سياسات الحكومة والأحزاب المسيطرة عليها إلى اللجوء إلى الوسائل والأساليب التي تلجأ إليها الأقليات عادة لحماية نفسها من الانقراض. لقد فُتحت أمامهم أبواب الهجرة واللجوء بعد أن وضعت السلطات العراقية أسباب ودوافع ذلك السلوك بين أيديهم.

في سوريا كان الوضع شبيها بما شهده العراق بالرغم من أن النظام هناك كان ولا يزال يزعم بأن وجوده هو الضمانة الوحيدة لحماية الأقليات. وهو زعم كان يمكن أن يكون صحيحا لولا أن الميليشيات الإيرانية بزعامة حزب الله أشرفت بنفسها على عمليات تهجير فكان هناك تهجير تقوم به الجماعات المسلحة المعارضة للنظام يقابله تهجير يرعاه النظام بنفسه.

وهكذا فإن الأقليات في سوريا وهو بلد أقليات لن تجد حائطا تستند إليه في مستقبل أيامها بعد أن لعبت بها التجاذبات السياسية وصارت أشبه بمن يشارك في لعبة جر حبل يعرف أنه سيلتف على رقبته يوما ما.

الأقليات في سوريا دفعت وستدفع ثمن ذنب لم ترتكبه إلا لانها تصرفت بدافع الخوف على مستقبلها. وهو مستقبل سيكون غامضا دائما بعد أن فقد النظام سيطرته على الأرض وصار عدوه وصديقه يتشابهان من جهة رغبتهما الدفينة في الانتقام من الأقليات.

وإذا ما ذهبنا أبعد فإن الحرب التي شنت وتشن على الأقليات من قبل ميليشيات فالتة وغير مسيطر عليها في العراق وإيران هي هدف مطلوب من أجل تغيير الطابع السكاني في بلدين عرفا تاريخيا بتنوع مجتمعيهما الذي كان دائما مصدر تميز على المستوى الإنساني والثقافي والاجتماعي.

يمكن تلمس الدلائل التي تشير إلى نهاية العراق وسوريا من خلال رؤية المصير المأساوي الذي انتهت إليه الأقليات فيهما. وهو مصير لا يبشر بخير بالرغم من أن الأطراف كلها تنادي بحرصها على وحدة الشعب وهو شعار مضلل لأنه ظل لصيق الألسن من غير أن يجد طريقا سالكة في اتجاه الواقع.

لقد صنعت الميليشيات تاريخا من القتل سيكون قاعدة لعنف مستقبلي لن يسلم من تداعياته أحد، بغض النظر عن براءته.

فالمأساة التي وقعت للإيزيديين في العراق ما هي إلا صورة مصغرة لما حدث وسيحدث للأقليات الصغرى والكبرى في كلا البلدين.

اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: