من نحن   |   اتصل بنا   |  
مقالات اليوم
حجم الخط :
عدد القراءات:
5216
30-10-2017 06:00 PM

العراق القطب والمستقطب





بقلم: عبدالأمير المجر

كثر الحديث عن جولة رئيس الوزراء حيدر العبادي، الاخيرة، لدول المنطقة، واصبحت ميدانا لتحليلات كثيرة، كونها شملت دولا مجاورة للعراق ولها مصالح كبيرة فيه، لكنها في الوقت نفسه لها اجندة متناشزة في منطقتنا الملتهبة، وتشتبك مع بعضها في اكثر من ميدان، ولعل العراق احد ابرز هذه الميادين واكثرها حساسية. من بين ما قيل عن الهدف من الزيارة، التي جاءت في لحظة تعافي عراقية، ونهايات مخاض اقليمي عسير، لا احد يعرف بالضبط شكل الوليد التي سينتهي اليه، ان العراق يسعى ليكون نقطة توازن في المنطقة، او بيضة القبان بين هذه الدول (!) وغيرها من المصطلحات التي لاتفضي الى شيء واضح.

في العموم، ان جميع التحليلات انطلقت من كون العراق بات رقما صعبا، وان دول الجوار صارت تنظر اليه بشكل مختلف عما كان عليه قبل سنين، حيث وهن الدولة وضعفها للظروف المعروفة. الحقيقة الاكيدة، ان العراق بات اقوى عسكريا اكثر من أي شيء اخر منذ العام 2003، والفضل يعود بالدرجة الاساس للشعب العراقي الذي تفاعل بشكل غير مسبوق مع فتوى المرجعية الدينية في التصدي لداعش الارهابي. ولو لم تكن هناك ارادة وطنية اصلا لدى العراقيين، لما حصلت هذه الاستجابة السريعة للفتوى وتم دحر الارهاب وتحرير البلاد.

لكن المشكلة تبقى في الارادة السياسية، التي يجب ان تكون بمستوى هذه الارادة الشعبية. فحكومة السيد العبادي انبثقت من عملية سياسية عليلة وفيها الكثير من المشاكل، بل ان بعض الفاعلين فيها وقفوا عائقا امام تحقيق الانتصار، ولو بشكل خفي، لحسابات حزبية وشخصية، اذ رأوا ان هذا النجاح قد يجعلهم على مصطبة احتياط السلطة، اذا ما جرت الانتخابات القادمة وجاءت نتائجها لصالح رموز الحكومة الحالية، ومن وقف فعلا في الميدان العسكري. اصحاب الحسابات الشخصية هؤلاء، وهم من مختلف القوى السياسية، تقف خلفهم قوى خارجية تؤثر في مواقفهم وقراراتهم، وترسم لهم تحركاتهم التي يجب ان تكون متساوقة مع رغباتها واهدافها في واقع سياسي عراقي مازال منقسما ويفتقر لإستراتيجية وطنية مشتركة يجمع عليها الفرقاء، وعليه فان الارادة السياسية التي يتطلع اليها العراقيون، ستبقى رهينة هذا التجاذب ولم يتحقق تقدم ملموس في الواقع السياسي، الذي هو المنطلق الحقيقي لبناء دولة قوية، تمتلك ارادتها وتعبر عنها من خلال نظام سياسي يمثلها كلها وبمختلف طيفها الوطني.

الذين يريدون للعراق ان يكون بيضة القبان ونقطة توازن اقليمي في المنطقة، يؤكدون على ان تكون للعراق علاقات متوازية ومتساوية مع جميع الاطراف الاقليمية والدولية، وفق مبدأ ارضاء الجميع، اي ارضاء السعودية وايران واميركا وتركيا وغيرها، ويلبي رغبات الجميع ايضا بما لا يغضب اية جهة! وهذا الكلام بقدر ما ينطوي على نوايا حسنة، لا تخفي اشفاقا على واقعنا الحياتي الذي ما زال مرتبكا، فانه ينطوي على مخاطر كبيرة، لان تقعيد الدولة العراقية على اساس مراعاة مصالح الاخرين، يجعل العراق دولة تابعة غير مستقلة، ومتأثرة غير مؤثرة، ضعيفة وغير قوية. فاستحقاق العراقيين بعد رحلة كفاحهم المريرة هذه، هو ان تعمل هذه الجهات جميعها على ارضائنا نحن، بدلا من ان نعمل على ارضائها، وكأن قدرنا ان نبقى تابعين للاخرين، ونعكس مزاجهم السياسي والثقافي وحتى الاقتصادي.

والسؤال هو لماذا يحصل هذا لبلد يمتلك الكثير من اسباب القوة، اقتصاديا وعسكريا اضافة الى موقعه الجيوسياسي الهام؟

لقد كشفت ازمة الاستفتاء البارزانية، لمن لم يعرفوا خفايا الامور، ان العراق يعني الكثير للدول المجاورة والبعيدة على حد سواء. فوجوده قويا وموحدا يعني بقاء تلك الدول موحدة، والعكس صحيح، وقوته الاقتصادية تعود عليها بالفائدة ايضا، وعمقه الثقافي يؤثر بشكل مباشر في شعوب تلك الدول التي تراه مرجعية روحية لها كذلك. فأية قوة يحتاج العراق اكثر من هذه ليكون قطبا كبيرا في المنطقة وليس مستقطبا من قبل هذه الدولة او تلك؟

ان اصلاح الواقع السياسي، الذي يجب العمل عليه بشكل جاد، بعد هذا الانتصار الكبير، سيكون مدخلا لإنهاء أي نفوذ خارجي ولأية جهة في العراق، لانه يوفر الارادة الوطنية الحقيقية، التي كان غيابها سببا في دخول داعش، وسيكون ايضا البداية الصحيحة لعودة العراق قطبا قويا في المنطقة، لان قوته العسكرية وحدها لا تكفي، فالمعادلة الوطنية العراقية، لا تتحمل ان يكون العراق من حصة هذه الجهة او تلك الدولة، مهما كانت قوية او مؤثرة، وان ايجاد فلسفة واقعية وسليمة للدولة، تعكس ثقافة العراقيين المشتركة وتعبر عن مصالحهم جميعا، هو الذي سيجنبنا منّة الاستقواء بالاخرين، وستعيد للعراقيين وحدة صفهم التي تعرضت لضربات مؤلمة كان داعش اخر سلسلتها وليس الوحيد.

اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: