من نحن   |   اتصل بنا   |  
مقالات اليوم
حجم الخط :
عدد القراءات:
1106
03-10-2017 08:30 PM

بناة العراق المؤقت




كتبه: فاروق يوسف

انفصل الأكراد ورقيا عن العراق منذ 25 أيلول/سبتمبر 2017 بعد أن عاشوا منفصلين واقعيا أكثر من ربع قرن.

تلك إرادة شعبية عبرت عن نفسها من خلال صناديق الاقتراع ولم يعد التراجع عنها ممكنا أو حتى الحديث عن إمكانية تناسيها مؤقتا.

اما أن يعبر الزعماء الأكراد عن اعجابهم بحكمة المرجعية الشيعية في التعامل مع مسألة انفصالهم من خلال الدعوة إلى العودة إلى الدستور واعتماد الحوار منهجا فتلك مسألة أخرى.

هل كان أولئك الزعماء ينتظرون حربا لردعهم عن المضي في طريقهم الانفصالي المرسوم سلفا؟

أعتقد أن المسألة ببعدها التاريخي تستحق القيام بمغامرة غير محسوبة النتائج. غير أن تلك النتائج في أسوأ حالاتها لن تؤدي إلى اجهاض فكرة قيام دولة قومية للأكراد بعد أن تطابقت النظرية مع الواقع من خلال عمليات استفتاء شعبي صار بمثابة وثيقة تاريخية لا يمكن انكار قوة تأثيرها على المجتمع الدولي الذي عُرف بتعاطفه القوي مع الأكراد.

وهو ما يجعلني أشك في أن الحكومة العراقية ستكون قادرة على منع تداعيات الاستفتاء من التأثير على مستقبل العراق. فانفصال الإقليم الكردي صار حقيقة لم يعد في الإمكان التغاضي عنها أو التستر عليها.

وكما أرى فإن تحميل الأكراد وحدهم مسؤولية انهيار العراق الموحد هو خطأ كبير ترتكبه الحكومة التي بدلا من أن تصبح أقوى بعد ما حققته من انتصارات في حربها على الإرهاب هاهي تواجه واحدة من أكثر لحظاتها ضعفا.

في حقيقة الأمر فإن الأكراد كانوا مخلصين لقضيتهم عبر سنوات استقلالهم عن الحكومة الاتحادية وهو أمر لا يحق لأحد أن يلومهم عليه.

اللوم كله أو معظمه يقع على حكومة بغداد التي لم تبنِ جسرا من الثقة الواقعية بينها وبين حكومات المحافظات العراقية (بضمنها محافظات الإقليم الكردي) التي اكتسبت بحكم الدستور قدرا من الاستقلال يمنحها حرية غير مسبوقة في التصرف بشؤون مناطقها.

ليست العلاقة متينة بين بغداد باعتبارها مركزا وبين الأطراف.

لربما كانت هناك مشكلة في الدستور وهو ما كان ممكنا معالجته من خلال اجراء تغييرات في الدستور. المؤكد أن ضيق الأفق الطائفي الذي كان ولا يزال يحكم العقل السياسي في بغداد قد سمح بانفراط العقد العراقي في ظل التفرغ لمسألة الحرب على الارهاب التي هي في حقيقتها محاولة لقمع التمرد السني والدليل على ذلك الاستنتاج ما تشهده العملية السياسية من فراغ على مستوى الحضور السني.

يواجه الزعماء الشيعة اليوم وحدهم أزمة انفصال كردستان.

ولأن الأكراد يدركون جيدا أن انفصالهم عن العراق يعني بالضرورة تحطيم العراق التاريخي وانتفاء الحاجة إلى عاصمته بغداد بعد أن وصلت العلاقة مع المحافظات السنية إلى مرحلة القطيعة فإنهم يملكون أوراقا للضغط على حكومة بغداد أكثر تأثيرا وأشد قوة من تلك الأوراق التي تملكها الحكومة للضغط عليهم.

المواجهة لا تزال في بداياتها. وليس هناك من أمل في أن يعترف حكام بغداد بمسؤوليتهم عن الانفصال الكردي. ما يخيف أولئك الحكام أن يكون ذلك الانفصال بداية لتفتت ذلك الجزء من العراق الذي لا يزال نظريا تحت سيطرتهم.

هناك محافظات عراقية غنية سبق لها أن عبرت عن رغبتها في انفصالها النظري عن العراق كما هو حال البصرة. وكانت تلك رغبة أحزاب شيعية وجدت أنها تتضرر من ذهاب جزء من عائدات ثروة البصرة النفطية إلى حكومة بغداد.

إنها لعبة لصوص وهي عبارة عن مكيدة دبرها كتبة الدستور وأجاد نوري المالكي ادارتها غير أنها بلغت نهايتها في عهد حيدر العبادي.

الزعماء الأكراد يعرفون كل ذلك وأكثر.

لقد ساهم الأكراد في كتابة الدستور الملغوم وكانوا حاضرين في كل خطوة أُلقيت من أجل تأسيس عراق جديد سيكون مؤقتا.

ذلك العراق المؤقت هو شركة انتهت إلى الفشل وآن أوان ذهاب الشركاء إلى مصائرهم.

اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: