من نحن   |   اتصل بنا   |  
مقالات اليوم
حجم الخط :
عدد القراءات:
3229
03-10-2017 03:58 PM

استفتاء كردستان: ما وراء الستار




بقلم: محمد حبش كنو

أثار الإستفتاء في إقليم كردستان الكثير من ردود الفعل الإقليمية والدولية وكأن القيامة قد قامت أو كوكبا كبيرا بدأ بالاقتراب من الأرض ما هدد سلامة الكرة الأرضية بأكملها والحقيقة البسيطة أنها مجرد حالة ديمقراطية مدنية لا تستحق كل هذا التشنج إلا إذا افترضنا بأن هذه الأزمة مفتعلة.

في تقديري أن الأزمة فعلا مفتعلة بمعنى أن هناك جهات دولية دفعت الدول الإقليمية لكل هذا التشنج والعداء اللاعقلاني. فحين بدأ إقليم كردستان بالتحدث عن الإستفتاء في بداياته لم تبدو مواقف الدول الإقليمية متشنجة وخاصة تركيا التي صرح مسؤولوها علانية وقتها بمن فيهم أردوغان بأنهم لن يقفوا ضد قيام الدولة الكردية حتى أن أردوغان استقبل البرزاني وتم رفع علم كردستان لأول مرة في مطار إسطنبول الدولي. والسؤال هنا ما الذي استجد حتى غيرت تركيا موقفها مئة وثمانين درجة؟

ما حدث أن العراق والدول الإقليمية كانت تعتقد أن الدول الغربية وعلى رأسها أميركا ستقف بشكل قوي مع الإستفتاء وقيام الدولة الكردية حيث اعتبرت كردستان ولفترة طويلة الطفل المدلل لدى الغرب في منطقة الشرق الأوسط ولن يكون هناك جدوى من معاداتها ما دامت ستستقل بإرادة الدول الكبرى. لكن ما حدث أن هذه الدول الكبرى سبقت الدول المحيطة بكردستان وبشكل فج في رفض قيام الإستفتاء من أساسه ومحاربته مبكرا كما فعلت ألمانيا بداية ثم تبعها الإتحاد الأوروبي ثم كانت مواقف أميركا المخيبة للآمال وهو ما فتح شهية الدول المحيطة بكردستان لتبرز كل عضلاتها على هذا الكيان الكردي الذي يحاول تثبيت أرجله في خارطة المنطقة.

هذا المشهد أحدث إرتباكا لدى الجميع خاصة الشعب الكردي الذي طالما اعتبر الغرب حليفا قويا له وحاميا لحمى كردستان من أي اعتداء داخلي أوخارجي ومنطقة حظر جوي آمنة وهنا بدأت التحليلات تأخذ منحى آخر حيث اعتبر الكثيرون أن أميركا والدول الغربية تسعى إلى استقلال كردستان ولا يمكن للقيادة الكردية أن تنطلق لولا أخذ الضوء الأخضر من أميركا وأن هذا الرفض له اعتبارات إعلامية وسياسية فقط.

هذا الطرح قد يكون خاطئا وقد يكون صحيحا أيضا إذا نظرنا إلى المسألة بعمق وبأبعاد متداخلة. فإذا افترضنا أن هذا الرفض الغربي ظاهره كباطنه فإننا نعود إلى المشكلة الأولى وهي أن المشكلة الكردية هي مشكلة غربية بامتياز وليست مشكلة محلية أبدا. فلولا تقسيم الغرب لبلاد الأكراد منذ سايكس بيكو ثم إفشال ثوراتهم المتعددة فيما بعد لكانت هناك دولة كردية منذ ذلك الوقت ولم يكن ليعترض على وجودها أحد ولم تكن لتصبح أزمة في الشرق الأوسط. وهنا من حقنا أن نتساءل ما الذي جعل الغرب يغير من قناعاته تجاه الكرد إذا افترضنا أنه يسعى الآن ضمنا وليس ظاهريا لقيام دولة كردية؟

حقيقة فإن العداء الشديد الذي أظهرته اميركا للإستفتاء وكذلك ألمانيا التي تعتبر سيدة أوروبا وأيضا المواقف الهزيلة لباقي الدول الأوروبية توحي أن العقلية لم تتغير وأن الغرب ما زال على تلك القناعات غير المفهومة التي منع بموجبها قيام دولة كردية قبل مئة عام ثم تدخلت لإفشال الثورات الكردية فيما بعد وخاصة ما حدث في جمهورية مهاباد من قبل الإنكليز والأميركيين. ولم تمر ثورة كردية إلا وكان للغرب يد في إفشالها ومن هذا المنطلق نستطيع أن نتفهم معنى أن هذه الأزمة مفتعلة كون الغرب دفع دول الجوار لتتخذ كل هذه المواقف العنيفة ضد الإستفتاء.

إذا فكرنا بهذه الطريقة التقليدية فربما نكون متشائمين مع الإصطدام بحائط الواقع المر ولكن من حقنا أن نفكر بأبعاد أخرى أو نطرحها على الأقل فربما تكون للقضية وجه آخر. ففي اعتقادي أن القضية الكردية أصبحت بيد المخابرات الدولية أكثر منها بيد حكوماتها. وهنا يجب علينا الغوص في العالم الخلفي وما يحاك خلف الكواليس. فقد يكون موضوع الإستفتاء قنبلة اختبار لإرساء دعائم الدولة الكردية ربما في وقت ليس ببعيد خاصة إذا علمنا أن تدفق السلاح لم يتوقف على إقليم كردستان وخاصة من الدول الأشد اعتراضا على الإستفتاء مثل ألمانيا وأميركا.

من المنطقي أن نتفهم اعتراض الحكومات الغربية ظاهريا على الإستفتاء لأن القضية العراقية ما زالت تثير زوابع كبيرة في الغرب حيث أن هناك قناعة شبه تامة أن الغزو الغربي للعراق هو ما ولد كل هذا الإرهاب الذي يشكو منه العالم اليوم وتسبب هذا الغزو بتفكيك العراق وخلق دولة طائفية فاشلة ينهشها الفساد وتشكو التفجيرات والحروب الداخلية مع بنية تحتية مهدمة ومتهالكة وملايين من القتلى منذ بداية الغزو الأميركي، ولكي لا تبدو الحكومات الغربية في مظهر الذي تسبب في كل هذا وأودى إلى تقسيم العراق وإيجاد أزمة جديدة قد تكون لها تبعات أكثر تظهر الحكومات الغربية وجها من الرفض التام للإستقلال خاصة الأفراد داخل هذه الحكومات الذين قد يتعرضون لمساءلات ما مستقبلا إذا تسبب الإستقلال بكوارث او حروب إقليمية أوسع. وما زالت تجربة توني بلير ماثلة للعيان في الغرب حيث ما زال يشكو من تبعات غزو العراق وما زال المجتمع البريطاني يطالب بمحاكمته بسبب وقوفه مع أميركا في غزو العراق حتى أنه تمت تكلفة لجنة خاصة بمتابعة هذا الموضوع.

الإختلاف بين عمل المخابرات وتصريحات الحكومات شيء طبيعي في السياسة فهو نوع من التنسيق في الآخر. وفي اعتقادي أن دفع الدول الإقليمية لكل هذا التشنج أيضا يدخل في صالح قضية الإستقلال حيث أن صناعة الحدث مخابراتيا تعتمد على آلية حديثة تسمى الفعل وردة الفعل والنتيجة بمعنى أنه يتم خلق فعل ما مع معرفة ردة الفعل سلفا ثم تكون النتيجة على حسب ردة الفعل تلك بشكل حتمي حتى لو كان رد الفعل ينبئ انه سيفضي إلى نتيجة عكسية.

لشرح هذه القضية أكثر فإن نموذج استفتاء كردستان خير شاهد على ذلك حيث ترمى مسألة الإستفتاء كقنبلة اختبار ثم يتم الدفع باتجاه التشنج واتخاذ مواقف معادية ثم تكون الجاهزية للإستقلال نتيجة ردة الفعل هذه. ولكن كيف يكون ذلك وما هو السيناريو المحتمل؟

بداية يجب أن نفهم ما هي خيارات الدول المحيطة حتى نفهم مضمون ردة الفعل بالضبط. والحقيقة أن هذه الخيارات تنحصر في المقاطعة والحصار فقط في ظل استبعاد الخيارات العسكرية لأسباب كثيرة من أهمها أن الميليشيات او القوات العسكرية غير النظامية أثبتت فاعلية كبرى في الحروب في احداث ما بعد الربيع العربي فيما بات يسمى بالحرب الهجينة والتي سنفرد لها بحثا خاصا مستقبلا حيث أثبتت الجيوش عدم قدرتها على محاربة المجموعات الإرهابية بينما أثبتت القوات غير النظامية فعالية أكثر مثل قوات البيشمركة ووحدات حماية الشعب الكردية وبات الإعتماد الدولي عليها أكثر وبالتالي لن يقبل المجتمع الدولي الإعتداء على هذه القوات من جهة ولن تستطيع جيوش المنطقة أيضا مواجهتها عسكريا من جهة أخرى حيث بات لديها الكثير من الخبرة عبر سنوات قتالها مع التنظيمات الإسلامية وكذلك امتلاكها اليوم لأسلحة ثقيلة ومتطورة وبالتالي ستكون تكلفة الحرب باهظة بالنسبة لدول الجوار.

إذا حصرنا خيارات دول الجوار في المقاطعة والحصار فقط فإن هذا الحصار سيكون له فوائد جمة على إقليم كردستان عكس ما يوحي ظاهر الأمر. ونستطيع أن نجمل هذه الفوائد فيما يلي:

1- أي حصار إقتصادي يكسب ذلك الشعب تعاطفا دوليا وهذا يدخل تحت بند تهيئة الرأي العام الدولي للتعاطف والقبول بالدولة الكردية الوليدة كي لا تنتقد حكوماتها فيما لو أنشأت هذه الدولة ما يدغدغ المشاعر الإنسانية لدى الشعوب التي ثبت أنها تتعاطف مع المحاصرين حتى لو كانوا مصنفين كجماعات إرهابية.

2- تقوية الجبهة الداخلية التي ستتمسك أكثر بحقوقها القومية وتتفتح أعينها على المخاطر المحيطة للتفكير بشكل جدي وعملي لإنشاء دولة تستطيع الوقوف في وجه التحديات عدا عن بعض المتململين من التجار والمتنفذين الذين استفادوا من سنوات الرخاء والتبادل التجاري مع الدول المحيطة والذين يؤثرون مصالحهم المالية على الفكر الوطني وسيكون الحصار إضعافا لسلطة هؤلاء الذين أغرقوا الإقليم بالفساد ولن تقوم دولة في وجود كل هذا الكم من الفساد.

3- اللجوء إلى الإكتفاء الذاتي وهنا يجب أن نعلم أن هذه الفكرة قديمة في حركة التحرر الكردية حيث كان أهم برنامج لدى حكومة جمهورية مهاباد هو برنامج الإكتفاء الذاتي وقد ركز عليه القاضي محمد كثيرا ولعله كان يدرك هذه الأشياء منذ ذلك الوقت. ولكن إقليم كردستان وللأسف أصابه الخمول في سنوات الرخاء النفطي فبات يستورد تسعين بالمئة من احتياجاته من دول الجوار وانهارت الزراعة في الإقليم بشكل ظاهر وبتنا أمام تجربة دولة مترهلة. وفي حال لو قامت دولة كردية في المنطقة فستكون مجرد إضافة لبعض الدول التي تعتمد مبدأ الإستهلاك بينما برنامج صانع القرار الدولي ان تكون هذه الدولة حائط صد ضد نفوذ العثمانية الجديدة التي كادت أن تبلع المنطقة إبان الربيع العربي وحائط صد أيضا ضد توسع النفوذ الإيراني في المنطقة ومفرخة للمقاتلين الأشداء لا دولة متراخية تأكل من نفطها وتصبح محتاجة للحماية الدولية دائما.

4- الإنفصال عن تركيا. ولعل هذا هو أهم إنجاز حققه هذا الإستفتاء حتى الآن. فالإقليم لم ينفصل عن العراق ولكنه انفصل عن تركيا حيث أنه كان شبه محتل من قبل تركيا سواء إقتصاديا أو حتى عسكريا نظرا للوجود المكثف للشركات التركية وكذلك القواعد العسكرية داخل الإقليم ولكي يجعل صانع القرار الدولي هذه الدولة حائط صد ضد الحالة الإسلامية التركية الجديدة كان يجب فصله عن تركيا فلا يمكن القبول بوجود دولة جديدة في المنطقة يحكمها الإخوان في ظل كسر شوكة نفوذهم في كل دول المنطقة التي غرستهم فيها تركيا بعد الربيع العربي مثل ليبيا ومصر وتونس وسوريا.

5- الربط مع الفيدرالية الكردية في شمال سوريا. وهذا السيناريو هو مجمل ما يدور حوله الصراع في المنطقة اليوم. فالخطة الأميركية كانت تقتضي فتح ممر للبحر المتوسط عبر الشمال السوري وربط جنوب كردستان بروجآفا إقتصاديا على الأقل حتى يتم فتح خط من كركوك حتى حدود المتوسط مرورا بالرميلان وكل مناطق الغاز والنفط في شمال سوريا ومن ثم تتحرر أوروبا جزئيا من سطوة الغاز الروسي. ولإدراك روسيا وتركيا والنظام السوري والإيراني خطورة هذا المشروع فإنهم التفوا حوله وما كل التفاهمات التي حدثت بينهم في الأستانة حول سوريا إلا التفافا حول هذا المشروع الضخم الذي لا يعرف حتى الآن هل تخلت عنه أميركا أم ما زال ممكن التنفيذ.

6- شرعنة دعم حركة التحرر الكردية في كل من تركيا وإيران. فمع وجود حصار قوي وتجويع من هذه الدول يصبح شرعيا ونتيجة طبيعية دعم حركة التحرر في هذه الدول ما سيسبب إنتكاسات كبيرة لإيران وتركيا. وفيما لو تم تنفيذ هذا السيناريو فسيكون بدعم سعودي وربما إماراتي وهو المدخل الذي تبحث عنه أميركا لزعزعة إيران وإضعاف النفوذ التركي في المنطقة.

7- إنهاء حالة الإنقسام بين إقليم كردستان وفيدرالية شمال سوريا ما سيحقق وحدة الصف وعدم ارتهان كل طرف لأجندات عدو الطرف الآخر والذين يعتبرون أعداء في المحصلة للطرفين أو للشعب الكردي بمجمله ولمنع حدوث حرب كردية كردية مستقبلا والتي ستضعف الطرفين وتدمر المشروع الأميركي وتجعل منافذ الطاقة والبترول والغاز في مهب الريح. ولذلك لا بد من إستقرار هذه الكيانات الكردية وقد ظهرت بوادر وحدة الصف هذه في عملية الإستفتاء حيث أعلنت الإدارة الذاتية دعمها للإستفتاء وكذلك جاهزيتها للدفاع عسكريا عن إقليم كردستان وللعلم فإن هذه الإدارة لا تتخذ خطوات مثل هذه ما لم تكن متوافقة مع الرؤية الأميركية.

في المحصلة لو قدر لدولة كردية أن تقوم فإنها لا بد أن تكون ديمقراطية ذات جيش قوي خالية من الفساد هي أشبه بشرطي في المنطقة ضد النفوذ الإيراني والعثماني الجديد ولا يمكن للغرب أن يتخلى عن هذه الدولة بسهولة لأنها تدرك أن الإسلاميين بدعم تركي سيطروا على الضفة الجنوبية للمتوسط في غفلة من الزمن بالأمس القريب.

اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: