من نحن   |   اتصل بنا   |  
تقارير وحوارات
حجم الخط :
عدد القراءات:
19842
09-06-2016 12:35 PM

إرث ثقافي وتاريخي يجسده الكاتب والمؤرخ العراقي هادي حمودي




يضم إرث الكاتب والمؤرخ العراقي هادي حسن حمودي الى الآن 76 كتابا في مختلف ميادين المعرفة، وعددا وفيرا من البحوث والمقالات والقصائد.
ولقد حظي تأليفه باهتمام واسع حتى أن عبد العزيز بن عثمان التويجري، المدير العام للإيسيسكو وصف كتابه «الإسلام والأزمنة الحديثة» بأنه خريطة طريق لفهم الإسلام في العصر الحديث.

ولعل من أهم ما يُذكر له أنه اكتشف كتبا كانت في حكم الضائعة، منها كتاب «الماء» لأبي محمد الصحاري وهو أقدم معجم طبي لغوي في التاريخ، وقد سجل قبل شهور في اليونسكو في باريس باعتباره من التراث العلمي العربي.

ونظرا لتعدد اشتغاله ولأن بعض الأفكار التي تضمنتها كتبه أثارت إشكالات عدة، رد الكاتب علي مجموعة اسئلة خلال لقاء له كالتالي:

قلتم في عدة مناسبات أنكم تريدون التنبيه إلى منهج لغوي سليم وسديد لفهم القرآن، هل يمكن توضيح ذلك المنهج؟
ـ لقد طال تفكيري في هذه المسألة لعدة عقود من الزمن، حتى تبلورت فكرة عبرت عنها في بعض مؤلفاتي، مفادها، إننا إذا شئنا فهم القرآن حق الفهم فلنحاول أن نضع أنفسنا في موضع المسلمين الأوائل، وهم يتلقونه من فم النبي، وهو يتلوه عليهم بألفاظ عربية مفهومة مأنوسة. ولذلك فإننا لا نرى في السيرة النبوية والأحاديث النبوية تفسيرا لآيات أو تبيينا لمعاني ألفاظ التنزيل العزيز. فهم كانوا يفهمونه، منهم من يفهمه فهما دقيقا ومنهم من يفهمه فهما عاما.

تقصدون فهم معاني الكلمات؟ وقد ذكر القدماء ذلك، فما الجديد فيه؟
الجديد أن منهج التنوير اللغوي يعتمد أسساً من شأنها أن تحد من الخلافات التي وقع فيها المفسرون في معاني كثير من آيات القرآن ودلالاتها.

هل يمكن بيان هذه الأسس؟
الحديث عنها يطول، ولكنني أقول، وباختصار شديد إن هذا المنهج يعتمد على: تتبع معاني الحرف الواحد من اللغة. كالباء والتاء والثاء وهكذا.
وإذا كان هذا عسيرا فليس بمستحيل، وإذا لم نستطع الوصول إليه بسبب بعدنا عن النشأة اللغوية، فإن فهم (الثنائي) وأعني الكلمة المتكونة من حرفين أمر ممكن. ومنه ننتقل إلى الثلاثي وما جاوزه.

أظنك تقصد ما ذكره القدماء في أبواب الاشتقاق؟

ما ذكره القدماء واحد من مسارات عديدة. الذي أعنيه يتجاوز ذلك. علينا أن نفهم مثلا: تطور لفظة إلى لفظة أخرى، كما في العلاقة بين (الأمن) و(الإيمان) و(الاطمئنان) مثلا. أو بين (الهم والغم والغيم) وما شابهه.
دراسة الترابط بين الكلمات في النص (الآية) ومدى تأثير كلمة في أخـــرى، لفظا ومعنى، بالاستفادة من النحو والبلاغة، مع عدم الاقتصار على ذلك.

وكيف يمكن الوصول إلى تصور معاني تلك الألفاظ والعلاقات بينها؟
التعمق في النظر اللغوي حتى تصبح اللغة العربية كأنها طبيعة للمرء. ومن البديهي أن نستفيد من تطورات علم اللغة وبقية العلوم المسعفة على تفهم ما غمض على القدماء فهمه أو فهموه بموجب مواضعات عصورهم ومستوياتهم الثقافية، ودوافع كتابتهم للتفاسير وما يُلحق بها.

إذا لم يقتصر التحليل على ما جاء في تراث النحويين والبلاغيين واللغويين، كما ذكرتم قبل قليل، فماذا يمكن إضافته؟
مستويات فهم الخطاب (النص) متعددة. فإذا شئنا تطبيق المنهج في فهم القرآن وكذلك في الشعر علينا أن نعرف التوازن بين الصوائت والصوامت، بين المتحركات والسواكن من الحروف، لأنها التي تشكل التركيب (الزهري) للنص. وأعني به العلاقة بين النغمة اللغوية وأشكال الزهور.

ولكن، هل يمكن تحقيق ذلك في مراحل الانهيار الثقافي الملحوظ في هذه الأيام وتسيد التسطح الفكري؟
بالتأكيد. فالقرآن آيات مؤلفة من كلمات عربية سهلة واضحة. ففهم معاني هذه الألفاظ والكلمات يمهّد أمامنا الطريق لفهم القرآن، كما فهمه المسلمون الأوائل. وأعتقد أنه مهما كان المستوى الثقافي للفرد العربي فهو ما زال قادرا على فهم مجمل المعاني القرآنية، على الأقل.

وهل يعني هذا الاختلاف عن التفاسير المعروفة للقرآن؟
نحن لا نتقصد الاختلاف تقصدا. والحكم الفاصل بين قول وآخر هو النص القرآني نفسه.

ما دمتم تلتزمون فهــــم النص على أساس معاني ألفاظه لغويا.. فهل يعني هذا أنكم ترفضون التأويل؟
التأويل عند الطبري يعني التفسير، فعنوان كتابه «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» وحين تمعن النظر فيه تجده معتمدا على مرويات تفسّر القرآن لا تؤوله بمعاني التأويل التي لجأ إليها فريق من المسلمين اللاحقين، الذي يعني ليّ النصّ كي يصل إلى ما يريد المؤول أن يقرره، أيا كان بعده عن المعنى اللغوي للألفاظ القرآنية والأسلوب القرآني.

وقد أدى هذا التأويل إلى ما لا تحمد عقباه. فمثلا: ألا يكفي أن نقول إن الضمير (نحن) حين يقصد به المفرد إنما يعبر عن معنى الاحترام والتبحيل؟ وهذا ما أجمع عليه علماء اللغة والتفسير القدماء. ولكنك تجد اليوم من يؤول هذا الضمير في القرآن الكريم باعتباره دالا على الملائكة، ففي الآية (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) يرى هذا الكاتب أن المقصود الملائكة. وهذا غير صحيح لا من حيث اللفظ ولا من حيث الأسلوب. فأنت حين تكتب لصاحبك (لقد قرأت رسالتكم) مثلا فأنت تقصده هو فقط، وإنما ذكرت صيغة الجمع احتراما

. وفي بعض اللغات تلاحظ هذه الظاهرة كما في الفرنسية فكلمة (Vous) تدل على الجمع، ولكنهم يستعملونها للمفرد في حالة التعبير عن الاحترام ومزيد التقدير.

وقد برر بعض عشاق التأويل ذلك بقولهم: إن للقرآن ظاهرا وباطنا، وإن لذلك الباطن ظاهرا وباطنا.. وهكذا إلى سبع وسبعين ظاهرا وباطنا.

وهل التفسير العلمي، أي المعتمد على النظريات العلمية، من هذا التأويل؟
بعضه توضيح للتفسير. وبعضه مجرد افتراء وتدليس. من أمثلة النوع الأول مراحل تكون الجنين، إذ لم يكن للقدماء معرفة بتلك المراحل، فأتى العلم بما ساعد على فهم الآية بشكل أكثر دقة من فهم القدماء.

ومثل هذا عن ضيق نفَس المرء حين (يصعّد) في السماء إذ قرر العلم هذه الحقيقة وفسّرها بنقص الأوكسجين. أما الافتراء والتدليس فنلاحظه في كتابات عديدة، ونسمعه عبر شاشات التلفاز.

ولعل من أمثلة ذلك ما ذكره بعضهم من أن رواد الفضاء حين صعدوا إلى القمر وجدوا في وسطه شقا وأخدودا، وقالوا: إن هذا مصداق الآية: «اقتربت الساعة وانشقّ القمر» (القمر 1) ولم يلتفتوا إلى أن الآية تتحدث عن تغير الكون عندما يحل يوم القيامة، لا عن انشقاق القمر قبل ذلك. وقد فصلت الكلام على هذا النوع من التفاسير والتأويلات التي لا يحتاج إليها القرآن وأعطيت أمثلة كافية، في «موسوعة معاني القرآن الكريم حسب تسلسل النزول» وغيرها.

ننتقل إلى موضوع حساس نوعا ما، هو موضوع المذاهب الإسلامية ومدى قربها أو بعدها عن القرآن الكريم.
قاطعني هادي حسن، قائلا:
قل: مذاهب المسلمين. فمن الخطأ أن نقول لأشياء مختلفة، بل متناقضة أحيانا بأنها إسلامية، فالإسلام قرآن كريم، وما وافقه من أحاديث النبي وسيرته وسنّته. وهو بهذه الحدود لا يقبل المتناقضات. أما المذاهب والطوائف، ما اندثر منها وما بقي اليوم، فهو اجتهادات بشرية، اجتهادات مسلمين، تقبل الصواب والخطأ. وثمة مقولة أرددها دائما «أعبد ربّك بالطريقة التي أنت مقتنع بها، ودع غيرك يعبد ربه بالطريقة التي هو مقتنع بها، في ظلال التوحيد والأخوة والتعاون، لا أنت تسيء إليه ولا هو يسيء إليك.. الخ). وأفضل أن نترك الموضوع عند هذا الحد.

لا بأس.. فلننتقل إلى الشعر. ديوانك «قصائد» يضم شعر التفعيلة، أو الشعر العمودي فقط. فماذا عن أساليب التعبير الشعرية الأخرى.
الشعر هو التوازن النغمي (الموسيقي) بين الصوامت والصوائت، الساكنات والمتحركات من الحروف، للتعبير عن فكر معين أو إحساس معين، بضمن صور فنية تقرب المراد إلى القارئ والسامع في عالم أقرب إلى السحر. لذلك فإن الشعر ليس التفعيلة، ولا العمود، هذه مصطلحات نقاد، ارتضوها. وهم أحرار.
فحين ظهر الخليل بن أحمد (100-175 للهجرة) وجد أمامه أشعار العرب التي هي تمثلات متطورة لأناشيد المعابد القديمة في وادي الرافدين وجنوب الجزيرة العربية، وعلى أساسها صيغت ملحمة كلكامش، انتقالا إلى أناشيد معابد آتون وآمون في وادي النيل. فالإيقاع الموسيقي ذو جذور متوائمة ولكنْ بأنغام شتى.
التفت الخليل بعبقريته الفذة المتفردة إلى أن لهذه الأشعار موازين موسيقية معينة استطاع استنباطها وبوّبها في بحور الشعر المعروفة. وسمى كل واحد منها بحرا، لأنه، فعلا، بحر مترامي الشطآن، بعيد الغور. ولَمّا لم يكن يستطيع، بحكم معارف زمانه، أن يكتبها بالرموز الموسيقية، لجأ إلى رسمها بالتفعيلات المعروفة، فعولن، مفاعيلن، مستفعلن.. الى آخره.
ولكن كثيرين ممن ينشرون اليوم (شعرا) لا يعرفون تلك التفعيلات أو لا يهتمون بها.
الشاعر الجدير بصفته يعرف الإيقاع من غير حاجة إلى معرفة التفعيلات، وحتى إن عرفها فهو لا يلجأ إليها ليزن أبيات شعره. ولذا كان السائر في دروب الشعر لا ينظم شعرا إلا بعد أن يحفظ دواوين عديد من الشعراء لينمي قريحته ويُنضج ملكته الشعرية.
أي أنتم تعتــبرون (التفعيلات) الخليلية مقدسة؟
كلا. التفعيلات ليست مقدسة ولا هي من وحي السماء ولكنها تصوير حي لموسيقى الشعر العربي، فذلك الشعر له هذه الأوزان التي تجلّ عن الحصر. ولم يطلب الخليل من الشعراء أن يقيسوا ما ينظمون بعيدان الكبريت، كي يكون طول هذا الشطر بطول الآخر، ولا أن يضعوا التفعيلات أمامهم ثم يتم تغييرها إلى كلمات. ولا ما ظهر في بعض البلدان العربية من تقطيع كلمات الصحف ووضعها في (كيس) ثم يتم سحب كلمة بعد أخرى وتدوينها باعتبارها شعرا، على أساس (الكلمة تعرف مكانها)!
وما رأيكم في تحويل الإيقاعات الموسيقية أو النغمية إلى (العروض الرقمي)؟ وهل ترون صحة اتهامه بأنه جهد (علماني) يسيء إلى اللغة أو الشعر أو القرآن الكريم؟
دع عنك عقلية التصنيف والإقصاء. هذه اتهامات يصح فيها قول القائل (الناس أعداء ما جهلوا). لقد تعرفت في صفحة (التواجه) في وسائل الاتصال على صفحة بعنوان (العروض الرقمي) وعرفت لاحقا أن المشرف عليها باحث عروضي ذكي هو الأستاذ خشان محمد خشان من الأردن. لم ألتق به ولم يتحقق أي تعارف بيننا، إنما تابعت صفحته، ودرستها بإمعان، خاصة أني مارست تدريس العروض في بعض الجامعات، فرأيت لديه علما غزيرا بالمنهج الخليلي (نسبة إلى الخليل بن أحمد مكتشف العروض) واستطاع أن يطور منهجا لفهم العروض بطريقة (رقمية) تعتمد على مقارنة الإيقاع النغمي للشعر على أشكال الزهور، ومسارات الأفلاك والنجوم. ولا علاقة له بتلك الاتهامات.
بل إني أدعو إلى تدريس العروض الرقمي في الجامعات إحياء للشعر الجدير بصفته.
وهل من علاقة بين هذا العروض الرقمي والتشكيل اللغوي للقرآن الكريم؟
كيف لا تكون ثمة علاقة وها أنت ترى أن التجويد والترتيل وما فيهما من إدغام وترقيق وتفخيم ومدّ وغير ذلك هي ظواهر موسقة لفظية، وهي من لوازم اللغة الفنية في كل أساليب التعبير اللغوي الجميلة التي وصل بها القرآن الكريم إلى درجة الإعجاز. صحيح أن التشكيل اللغوي للقرآن الكريم ليس تشكيلا شعريا، ولكن بما أنه تشكيل لغوي معجز، فمن ظواهره البيانية التوازن الدقيق بين الصوامت والصوائت من الأصوات المرسومة بالحروف. وهذا التوازن من جملة الأسباب التي دفعت المشركين إلى اتهامه بأنه شعر.

اضف تعليق
اضف تعليقك
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم:
البريد الالكتروني: اظهار البريد الالكتروني
التفاصيل: